خلف واجهة الأرقام القياسية التي يعلنها المجمع الشريف للفوسفاط، والتي بلغت ذروتها بـ 114 مليار درهم كأرقام معاملات في عام 2025، تتصاعد مخاوف صامتة في الأوساط المالية حول “المديونية المتسارعة” التي باتت المحرك الأساسي لتوسع المجموعة.
ويرى محللون ماليون أن لجوء العملاق الفوسفاتي في أبريل 2026 إلى إصدار سندات هجينة بقيمة 1.5 مليار دولار، ليس مجرد “نجاح استثماري” كما يصوره الخطاب الرسمي، بل هو مؤشر على ضغط مالي حاد دفع المجموعة لاختيار واحدة من أكثر أدوات الدين كلفة وتعقيداً؛ لتفادي خفض تصنيفها الائتماني بعدما بلغت المديونية التقليدية مستويات حرجة.
وتشير قراءات المصادر إلى أن اللجوء للسندات الهجينة (Hybrid Bonds) يشي بـ “مغامرة محسوبة” تضع استقرار المجموعة على المحك، كون هذه السندات تحمل فوائد مرتفعة مقارنة بالديون العادية، وتصنف محاسبياً كـ “شبه ملكية” لخفض نسبة الرافعة المالية ورقيا، وهو ما يطرح تساؤلات حول حقيقة السيولة التي يتوفر عليها المجمع بعد 20 عاما من التدبير الاستراتيجي لمصطفى التراب.
ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه أن تحقق المجموعة “التمويل الذاتي” بفضل الطفرة السعرية للأسمدة، يجد المجمع نفسه مضطراً للاقتراض بفوائد مرهقة لمواجهة كلفة الاستثمارات الضخمة، مما يجعل “النمو بالدين” هو العنوان الأبرز للمرحلة.
ووفقا للمصادر، يضع هذا التوجه “السيادة المالية” للدولة المغربية، التي تملك 95% من رأسمال المجمع، في دائرة الخطر المستقبلي؛ إذ أن أي تراجع طويل الأمد في أسعار الأسمدة العالمية سيحول هذه الديون المليارية إلى عبء مباشر على الخزينة العامة.
وسحب المصادر نفسها، فإن استمرار المجمع في نهج “الاقتراض لتغطية التوسع” يعكس رهان الإدارة على فرضية استمرار انتعاش السوق، وهي فرضية يراها خبراء مخاطرة غير مأمونة العواقب في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي، مما قد يجبر الدولة في نهاية المطاف على التدخل لإنقاذ قاطرتها الاقتصادية الأولى في حال تعثرت خدمة هذه الديون.
وفي تعليقه على هذا الوضع، يرى خبير اقتصادي متخصص في السياسات الماكرو-اقتصادية أن المجمع الشريف للفوسفاط بات يمارس ما يشبه “الهروب إلى الأمام” عبر أدوات مالية معقدة تحجب الرؤية عن الحجم الحقيقي للمخاطر المالية التي تتحملها الدولة.
وأضاف الخبير الذي فضل عدم كشف هويته، أن “الاكتفاء بتدوير الديون لتمويل مشاريع مستقبلية لم تظهر نتائجها بعد، هو مقامرة بمستقبل أكبر مؤسسة عمومية في البلاد”.
كما شدد في ذات التصريح لـ “نيشان” على أن “النموذج التدبيري الحالي، الذي استمر لنحو عقدين، قد استنفد كل هوامش المناورة المتاحة، وأن الإمعان في سياسة المديونية دون تغيير جذري في القيادة والرؤية المالية قد يؤدي إلى ارتهان السيادة الاقتصادية للمغرب لجهات التمويل الدولية في حال حدوث أي هزة في أسواق المواد الأولية”.







