في خضم الجدل المتصاعد الذي يلف مشروع القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة، أعاد نشطاء وأكاديميون إحياء وثيقة رسمية سابقة تعود لسنة 2021، وهي عبارة عن مذكرة كان قد وجهها وزير التربية الوطنية والتعليم العالي الأسبق، سعيد أمزازي، إلى رؤساء الجامعات، تشدد على تفعيل مسطرة منع الجمع بين المهام للأساتذة الباحثين.
وتأتي إعادة تداول هذه المذكرة الوزارية اليوم لتصب الزيت على نار الاحتجاجات التي خاضها أساتذة القانون صباح اليوم أمام مبنى البرلمان، حيث اعتبروا أن استحضار مقتضيات المادة 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية لغرض منعهم من ولوج المحاماة يمثل استمراراً لمقاربة تقصي الكفاءات الجامعية من المساهمة في تجويد منظومة العدالة.
المذكرة المستحضرة، والتي استندت إلى منع الموظفين العموميين من ممارسة أي نشاط مهني مدر للربح، كانت قد طالبت رؤساء الجامعات بمراسلة الهيئات المهنية، وعلى رأسها هيئات المحامين، لموافاة الوزارة بأسماء الأساتذة المسجلين في جداولها لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وهو ما يراه المحتجون اليوم تكريساً لنظرة إدارية ضيقة لا تراعي طبيعة التكامل بين الدرس الأكاديمي والممارسة المهنية.
وقد رفع الأساتذة في وقفتهم شعارات تندد بما وصفوه بـ”المفارقة الصارخة”، حيث يُسمح لهم بتكوين القضاة والمحامين وتلقينهم أصول القانون في المدرجات، بينما يُحظر عليهم ممارسة المهنة ميدانياً بناءً على نصوص قانونية يرون أنها تحتاج إلى مراجعة تماشياً مع الخصوصية العلمية للأستاذ الباحث.
هذا التقاطع بين “فيتو” الوزارة الأسبق في مذكرة 2021 وبين المقتضيات المثيرة للجدل في مشروع القانون الحالي، وضع الحكومة أمام فوهة بركان أكاديمي، إذ يشدد الأساتذة الباحثون على أن معركتهم ليست فئوية لتحقيق مكاسب شخصية، بل هي دفاع عن دور الجامعة كمشتل للخبرة القانونية التي يجب أن تستفيد منها مهنة المحاماة.
ومع استمرار التمسك بروح تلك المذكرة في التوجهات التشريعية الجديدة، يبدو أن الهوة تزداد اتساعاً بين رغبة الإدارة في فرض “التفرغ التام” للوظيفة العمومية، وبين إصرار الأكاديميين على هدم الجدران بين كليات الحقوق وقاعات المحاكم، مما ينذر بمزيد من التصعيد في الأيام المقبلة حال استمرار تغييب المقاربة التشاركية في صياغة القوانين المنظمة للمهن القضائية.







