كشفت كواليس اجتماع لجنة الداخلية بمجلس النواب، الجمعة المنصرم، عن “شد وجذب” حاد بين وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ونواب المعارضة، تجاوز منطق المصادقة العددية إلى صراع حول “فلسفة التدبير الترابي”. فخلف الأرقام الرسمية التي أعلنت عن قبول تعديلات محدودة من أصل 66 مقترحاً، كانت ردهات اللجنة مسرحا لمواجهة صامتة حول ميزان القوى بين المركز والجهات، حيث برز “فيتو” الوزارة الوصية بوضوح أمام محاولات فرق المعارضة، خاصة الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، لانتزاع اختصاصات ذاتية جديدة تمنح المجالس الجهوية سلطة القرار في ملفات حساسة كالتنمية الثقافية والبيئية.
ووفقاً لما تسرب من مناقشات اللجنة، فإن الوزير لفتيت واجه إصرار النواب على إدراج “الثقافة” كاختصاص ذاتي بمنطق “الواقعية الصارمة”، معتبراً أن المرحلة لا تحتمل “تشتيت الجهد الجهوي” في ملفات يراها مؤجلة، وهو ما أثار استياءً مكتوماً لدى برلمانيين اعتبروا أن حصر دور الجهة في “الواجهة الاقتصادية” فقط يعطل روح دستور 2011.
ولم يتوقف “التوتر الصامت” عند هذا الحد، بل امتد ليشمل المادة 93 التي تمنح الدولة حق “اقتراح” تمويل مشاريع وطنية من ميزانية الجهة؛ وهي المادة التي مرت رغم تحذيرات المعارضة من تحول الجهات إلى “صناديق احتياطية” لسد عجز ميزانيات الوزارات المركزية، حيث اكتفى لفتيت بطمأنة النواب شفهياً بأن القرار النهائي يبقى للمجالس، دون إدراج ضمانات قانونية تقيد هذا “الاقتراح” السيادي.
في سياق متصل، مَرّ التعديل القاضي بتحويل “الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع” إلى شركات مساهمة كأبرز “انتصار تقني” للوزارة في هذه الجولة، وسط تساؤلات حول طبيعة الرقابة التي سيمارسها المنتخبون مستقبلاً على هذه الأذرع التنفيذية الجديدة.
ووفقا للمصادر، فإن الحكومة كانت حريصة على تمرير هذه الهيكلة “المقاولاتية” لضمان سرعة الإنجاز، حتى لو كان ذلك على حساب تقليص الهامش السياسي للمنتخبين المحليين، وهو ما جعل فرق المعارضة تختار مربع “الامتناع عن التصويت” كرسالة سياسية تعكس التوجس من عودة “المركزية بوجوه تقنية”، ليبقى قانون الجهات الجديد، في نسخته التي ستعرض على الجلسة العامة، مطبوعاً بـ “بصمة لفتيت” التي تضع النجاعة التنفيذية فوق الطموحات السياسية الجهوية.







