في الوقت الذي تراهن فيه الدولة المغربية على هيكلة شاملة لقطاع الصحة لمواكبة الورش الملكي للحماية الاجتماعية، تبرز على السطح تساؤلات جوهرية حول مدى تفعيل المؤسسات الرقابية والتقنينية التي استحدثها المشرع مؤخراً.
وتثير التحركات الأخيرة لبعض الأقطاب الاستثمارية الكبرى في قطاع المصحات الخاصة جدلاً واسعاً حول مرجعية “الجودة” والسيادة الصحية.
فبينما تتوسع هذه المجموعات الاستثمارية في مختلف المدن المغربية، مستفيدة بشكل مباشر من تدفقات أموال صناديق التأمين الصحي (AMO) ومن جيوب المواطنين، بما ضاعف قدراتها السريرية وأرباحها بشكل غير مسبوق، تتجه في المقابل نحو القارة الأمريكية الشمالية لإبرام اتفاقيات اعتماد دولية مع هيئات كندية، وهو ما يضع علامات استفهام كبرى حول دور الهيئة العليا للصحة التي أُحدثت بموجب القانون رقم 07.22.
وترى مصادر مهنية تحدثت لـ نيشان، أن هذا التوجه نحو البحث عن صكوك الاعتراف بـ”الجودة” من مؤسسات أجنبية يضع النص القانوني المغربي على المحك، خاصة أن الظهير الشريف رقم 1.23.84 الصادر في دجنبر 2023، والقاضي بتنفيذ قانون إحداث الهيئة العليا للصحة، حسم في اختصاصات هذه الهيئة باعتبارها شخصاً اعتبارياً يتمتع بالاستقلال المالي.
وبحسب المادة الثانية من هذا القانون، فإن الهيئة تناط بها حصراً مهمة تقييم جودة خدمات المؤسسات الصحية بالقطاعين العام والخاص، فيما تمنحها المادة الثالثة، في بندها الثالث، صلاحية “اعتماد المؤسسات الصحية” بناءً على مؤشرات ومعايير ومرجعيات وطنية تحددها الهيئة نفسها.
هذا التناقض بين وجود نص قانوني صريح يمنح مؤسسة وطنية سيادية حق منح “الاعتماد” وضبط الجودة، وبين تسابق المجموعات الطبية الخاصة نحو “الاعتماد الكندي”، يفتح الباب أمام قراءات متعددة. وهو ما دفع المصادر ذاتها إلى التساؤل عما إذا كان هذا السلوك يعكس عدم ثقة في المعايير الوطنية التي يفترض أن تضعها الهيئة العليا للصحة، أم أن الأمر يرتبط بتأخر تفعيل الأدوار الميدانية لهذه الهيئة، التي خول لها القانون أيضاً مهمة التأطير التقني للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض والسهر على توازنه المالي.
كما أن المشرع المغربي، حينما وضع المادة الثامنة من القانون 07.22، حدد آجالاً دقيقة للبت في طلبات الوساطة، بما يعكس توجهاً نحو النجاعة المؤسساتية، وهو ما يجعل تجاوز هذه المؤسسة الوطنية والبحث عن “برستيج” الاعتمادات الدولية أمراً يثير التساؤلات حول مدى التزام هذه الاستثمارات بالمنظومة القانونية المحلية.
وعلاوة على ذلك، فإن الهيئة العليا للصحة، وبموجب المادة السابعة من قانونها، حلت محل الوكالة الوطنية للتأمين الصحي في جميع مهامها، وأصبح من حقها إبرام اتفاقيات شراكة مع فاعلين محليين أو دوليين. ومن هنا يبرز السؤال الذي يتردد في كواليس القطاع الصحي، إذا كانت الدولة قد استثمرت في خلق هيئة عليا لضبط “الترمومتر” الصحي، فلماذا يُسمح لمؤسسات طبية تعيش جزئياً على “التمويل العمومي” عبر صناديق التغطية الصحية، بأن تتجاوز المعايير الوطنية بحثاً عن “ختم” أجنبي.
وترى المصادر، أن تفعيل المادة الخامسة من القانون، التي تخول للهيئة اقتراح الإجراءات اللازمة للوقاية من كل خطر يهدد صحة السكان، قد يمتد أيضاً إلى حماية المنظومة من “التبعية المعيارية”، التي قد تفرضها جهات اعتماد أجنبية لا تراعي بالضرورة الخصوصية السوسيو-اقتصادية للمريض المغربي.
ويبقى الانتظار سيد الموقف إلى حين صدور أولى تقارير الهيئة العليا للصحة، التي يفترض أن تُرفع إلى الملك، وتنشر في الجريدة الرسمية، وتناقش داخل البرلمان طبقاً للمادة العاشرة، وذلك لتقييم حصيلة أنشطة هذه المؤسسات الاستثمارية ومدى مطابقتها لمعايير الجودة الوطنية.
وبحسب المصادر، فإن التحدي اليوم لا يكمن فقط في عدد الأسرة أو فخامة البنايات، بل في مدى خضوع الجميع لسلطة القانون المغربي وسيادة مؤسساته الرقابية، التي يفترض أن تكون المرجع الأول والأخير في تزكية جودة الخدمات الصحية المقدمة للمغاربة.







