يواصل عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، تكثيف خرجاته الإعلامية والميدانية بخطاب ينهل من أدبيات التعبئة الوجدانية والمناورة السياسية، واضعاً سياق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في قالب غير مألوف يتجاوز الرهانات الآنية نحو آفاق زمنية ممتدة.
فتمديد الجدولة الزمنية لطموحات حزبه لتشمل محطتي 2031 و2036 لم يكن، وفق مصادر تحدثت لـ”نيشان”، مجرد اندفاع خطابي عابر أمام شبيبة “المصباح”، بل مثّل تدشيناً علنياً لـ”سردية النفس الطويل” التي يبدو أن القيادة اختارت التخندق خلفها لمواجهة ضغط المحطات القريبة.
وفي هذا التوقيت السياسي الحرج، وبينما تنشغل الصالونات السياسية بحسابات المقاعد والتحالفات الفورية، فضّل رئيس الحكومة الأسبق القفز فوق التوقعات الآنية، ليرسم أفقاً سياسياً ممتداً على مدى خمسة عشر عاماً، في خطوة تكشف عن قراءة مغايرة لواقع الحزب وموقعه الحالي داخل المشهد السياسي المغربي.
وتفيد مصادر مطلعة من داخل المطبخ الداخلي للأمانة العامة للحزب بأن هذا الطرح لم يأتِ عفوياً أو نتيجة حماس لحظة خطابية، بل يترجم توجهاً جرى نقاشه بعناية داخل الدوائر القيادية الضيقة.
وتؤكد المصادر ذاتها أن الهدف الأساسي من إطلاق هذا الأفق الزمني البعيد يتمثل في تفكيك حجم “الضغط النفسي والسياسي” المسلط على القواعد والقيادات الإقليمية، والتي باتت تعيش تحت وطأة هاجس تحقيق “ريمونتادا” انتخابية فورية.
ويعمل هذا التمديد، بحسب المصادر، كصمام أمان يخفف من حدة القلق التنظيمي، ويمنح المناضلين شعوراً بأن معركتهم الراهنة ليست نهاية المطاف، بل مجرد عتبة أولى ضمن مسار استراتيجي ممتد.
ومن زاوية التحليل السيكو-سياسي، تبدو هذه الخطوة بمثابة آلية دفاعية جماعية تلجأ إليها الأحزاب ذات المرجعية العقائدية عقب الهزات التنظيمية الكبرى. فالصدمة التي خلّفها الانتخابات التشريعية المغربية 2021 لم تكن سياسية فحسب، بل طالت أيضاً “اليقين الوجودي” للقواعد الحزبية.
وهنا تبرز، وفقا لقراءات متقاطعة، وظيفة “صناعة الأمل الممتد” كأداة حيوية لإعادة ترميم الذات التنظيمية؛ إذ يحتاج المناضل العقائدي، بطبيعته السلوكية، إلى ربط نضاله اليومي بسيرورة تاريخية كبرى تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة، وهو ما يفسر تقبل القواعد للاشتغال بإمكانيات مالية محدودة وظروف تقشفية قاسية، حيث يتحول هذا العوز المادي في وجدانهم إلى “صمود وتضحية” من أجل هدف أسمى مؤجل إلى المستقبل البعيد.
وتذهب القراءات البنيوية لهذا الخطاب إلى أن بنكيران يحاول نقل الحزب من وضعية “الانكماش” إلى وضعية “الانتظار الاستراتيجي الواثق”، مستفيداً من تجارب تاريخية لأحزاب وطنية مغربية عاشت فترات طويلة في المعارضة أو الهامش قبل أن تعود إلى الواجهة.
وترى المصادر أن التلويح بأفق 2036 يعيد تقديم “البيجيدي” ليس كظاهرة انتخابية عابرة ارتبطت بسياق زمني مضى وانتهت صلاحيته، بل كفاعل بنيوي يمتلك القدرة على التجدد والتكيف مع الأزمات، حتى وإن كلّفه ذلك البقاء لسنوات خارج دائرة القرار التنفيذي.
وفي المحصلة، يتبين أن المعركة الحقيقية التي يقودها بنكيران في هذه المرحلة ليست معركة إقناع الكتلة الناخبة العريضة بقدر ما هي معركة استرداد “التماسك الداخلي” وحماية الهياكل التنظيمية من التآكل تحت وطأة الإحباط.
وترى المصادر أن الامر يتعلق بمحاولة لإعادة صياغة شروط اللعبة السياسية؛ فحين يقتنع البيت الداخلي بأن رهان الاستمرار ممتد لثلاثة عقود، يتحول الاستحقاق الانتخابي المقبل من امتحان مصيري حاسم ومخيف إلى مجرد تمرين سياسي عادي في مسار استعادة الثقة المفقودة.







