يدخل حزب العدالة والتنمية انتخابات 23 شتنبر 2026 وهو يحمل واحدة من أكثر التجارب السياسية تعقيدا في تاريخ المغرب الحديث. فالحزب الذي تحول خلال عقد واحد من قوة معارضة إلى متصدر للمشهد السياسي وقائد للحكومة لولايتين متتاليتين، وجد نفسه فجأة أمام سقوط انتخابي مدو أعاده إلى نقطة الصفر تقريبا.
الانتقال من 125 مقعدا سنة 2016 إلى 13 مقعدا فقط في انتخابات 2021 لم يكن مجرد تراجع عادي في شعبية حزب سياسي، بل كان زلزالا سياسيا ونفسيا هز صورة الحزب وأربك قواعده وطرح أسئلة عميقة حول مستقبله وقدرته على الاستمرار.
هذا السقوط لم يكن وليد لحظة انتخابية عابرة، بل نتيجة تراكمات طويلة عاشها الحزب خلال سنوات تدبيره للشأن الحكومي. فحين وصل العدالة والتنمية إلى السلطة سنة 2011، كان يقدم نفسه باعتباره حزبا مختلفا عن باقي الأحزاب التقليدية.. حزبا قريبا من المواطنين، نظيف اليد، يمتلك خطابا أخلاقيا، ويعد بمحاربة الفساد والاستبداد وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد نجح بالفعل في بناء علاقة خاصة مع جزء واسع من المغاربة، خاصة الفئات الشعبية والطبقة المتوسطة التي رأت في الحزب آنذاك صوتا يشبهها ويتحدث بلغتها.
لكن السياسة في النهاية ليست فقط شعارات ومعارضة، بل أيضا تدبير وقرارات وتوازنات معقدة. ومع مرور السنوات، بدأ الحزب يفقد تدريجيا تلك الصورة المثالية التي رسمها لنفسه. فالمغاربة الذين منحوه أصواتهم أملا في تحسين أوضاعهم الاجتماعية وجدوا أنفسهم أمام حكومة تتخذ قرارات صعبة ومؤلمة، من أبرزها إصلاح صندوق المقاصة ورفع الدعم عن المحروقات وإصلاح التقاعد، وهي الإجراءات التي ظلت تلاحق الحزب حتى بعد مغادرته السلطة.
بنكيران ورفض الاعتزال
بعد الهزيمة القاسية لسنة 2021، بدا وكأن العدالة والتنمية يعيش حالة انهيار داخلي حقيقية. قيادات اختفت، وأخرى فضلت الصمت، وقواعد حزبية أصابها الإحباط، فيما ارتفعت أصوات داخل الحزب تتحدث عن ضرورة مراجعة شاملة للمسار السياسي والتنظيمي. لكن وسط هذا المشهد، عاد عبد الإله بنكيران إلى الواجهة ليعيد الإمساك بزمام الحزب، في خطوة فهم منها أن الرجل لا يقبل أن تكون نهاية “البيجيدي” على يده أو في فترة غيابه.
بنكيران يدرك جيدا أن قوة العدالة والتنمية لم تكن في تنظيمه فقط، بل أيضا في شخصيته هو. فمنذ ظهوره في المشهد السياسي، استطاع أن يصنع لنفسه صورة السياسي المختلف.. قريب من الناس، متحدث بعفوية، قادر على الجمع بين النكتة والهجوم السياسي والخطاب الديني والشعبوي في آن واحد. وهذه الكاريزما كانت لسنوات أحد أهم أسرار قوة الحزب الانتخابية، حتى إنه وصف بـ”الجوكير” الذي قاد نجومية “المصباح”..
لذلك اختار بعد عودته أن يعتمد على الحضور الإعلامي المكثف، وعلى خطاب يلامس مشاعر الغضب والتذمر لدى المواطنين. في كل خرجة سياسية تقريبا، يحاول تقديم نفسه باعتباره السياسي الصادق الذي يقول ما لا يقوله الآخرون، ويقدم حزبه كضحية للاستهداف أكثر منه مسؤولا عن السقوط بقراراته اللاشعبية.
غير أن هذا الرهان يواجه عقبة أساسية، تتمثل في أن بنكيران لا يعود اليوم إلى الساحة السياسية كمعارض جديد، بل كرجل مسؤول عن التدبير لولاية واحدة، قبل أن يسلم المشعل مرغما لسعد الدين العثماني. لذلك، فإن أبرز تحدي يواجهه الرجل اليوم هو أن الناخب المغربي قد يتفاعل مع الخطاب والأسلوب في إطار الفرجة الانتخابية، لكنه في النهاية يتذكر أن الرجل كان رئيسا للحكومة خلال مرحلة اتخذت فيها قرارات اجتماعية واقتصادية لا تزال آثارها مستمرة.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى للبيجيدي.. كيف يمكن لحزب ارتبط في ذهن الكثيرين بتحرير أسعار المحروقات وإصلاح التقاعد الذي تحمل وزره الموظفون، واعتماد التعاقد في التعليم وغير ذلك من القرارات، أن يقنع الناس بأنه يحمل مشروع الإنقاذ من جديد؟ وكيف يستطيع بنكيران أن يقدم نفسه أو حزبه بديلا، بينما يعتبره كثيرون جزءا من أسباب الأزمة الحالية؟
انتخابات بدون صقور
إذا كان بنكيران يمثل اليوم نقطة القوة الأساسية للعدالة والتنمية، فإن الحزب في المقابل فقد عددا من أهم أوراقه التي صنعت نجاحه السابق. فالبيجيدي الذي كان في الماضي يمتلك جيشا من الوجوه السياسية القادرة على التعبئة والتأثير، يبدو اليوم أقل حضورا وأضعف تنظيميا مقارنة مع وضعه السابق.
لقد غابت أسماء بارزة كانت تشكل العمود الفقري للحزب انتخابيا وإعلاميا وتنظيميا. بعض القيادات اختارت الابتعاد بعد صدمة 2021، وأخرى فقدت بريقها السياسي، فيما دخل جزء من قواعد الحزب في حالة من الفتور واليأس. وهذا ما جعل العدالة والتنمية يبدو وكأنه حزب يعيش على ذاكرة الماضي أكثر مما يمتلك مشروع مستقبل واضح.
في سنوات الصعود، كان الحزب يعتمد على شبكة قوية من المنتخبين المحليين والبرلمانيين والفاعلين الدعويين والمدنيين، ما جعله قادرا على الوصول إلى مختلف الفئات الاجتماعية. بل إن تداعيات احتجاجات 20 فبراير جعلته يستفيد بشكل كبير من تعاطف الطبقة المتوسطة. أما اليوم، فإن جزءا مهما من هذا التعاطف والآلة الانتخابية القوية فقد فعاليته، خصوصا بعد الخسارة الساحقة التي أفقدت الحزب حضوره في عدد كبير من الجماعات والمؤسسات المنتخبة.
كما أن الحزب يواجه مشكلة أخرى أكثر عمقا، تتعلق بتحول صورته لدى الشباب. ففي السابق، كان العدالة والتنمية يقدم نفسه كحزب الأمل والتغيير ومحاربة الفساد، أما اليوم فالكثير من الشباب ينظر إليه باعتباره جزءا من المنظومة السياسية التي فشلت في تحقيق الوعود الكبرى. وهذا التحول في الصورة يمثل تحديا حقيقيا أمام أي محاولة للعودة القوية.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الحزب ما يزال يمتلك قاعدة انتخابية صلبة، وإن كانت أقل حجما مما كانت عليه سابقا. فهناك فئات ما تزال ترى في البيجيدي حزبا أكثر تماسكا مقارنة بغيره، وتعتبر أن ما تعرض له في 2021 كان “عقابا قاسيا” تجاوز حجمه الحقيقي.
رهان المفاجأة
يراهن حزب العدالة والتنمية اليوم على عامل أساسي قد يساعده في استعادة جزء من حضوره، وهو حالة التذمر الاجتماعي المتزايدة. فالغلاء وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية خلقت حالة من الاحتقان لدى فئات واسعة من المواطنين، وهو ما يحاول الحزب استثماره سياسيا عبر خطاب معارض حاد.
ويسعى بنكيران في مختلف خرجاته لتقديم حزبه باعتباره صوتا للطبقات المتضررة، ويحرص في خطاباته على طرق هموم الناس، مستفيدا من قدرته على التواصل المباشر والبسيط. كما أن الحزب يعول على تراجع الثقة في عدد من الأحزاب المنافسة، وعلى ضعف الخطاب السياسي لدى جزء من النخب الحالية.
لكن الرهان على الغضب الشعبي يظل سلاحا ذو حدين. فالمغاربة قد يعبرون عن غضبهم من الأوضاع الحالية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم مستعدون لإعادة الثقة في حزب سبق أن حملوه مسؤولية جزء من تلك الأوضاع. كما أن جزءا من الناخبين بات ينظر إلى الأحزاب السياسية كلها بعين الشك، وهو ما يجعل مهمة استعادة الثقة أكثر صعوبة.
ثم إن المشهد السياسي المغربي تغير كثيرا منذ 2011. فالسياق الإقليمي والدولي مختلف، والأولويات الاجتماعية والاقتصادية تبدلت، كما أن الخطاب السياسي نفسه لم يعد يمتلك التأثير ذاته الذي كان عليه قبل سنوات. لذلك فإن قدرة البيجيدي على العودة مرتبطة ليس فقط بقوته الذاتية، بل أيضا بمدى ضعف منافسيه وبطبيعة المزاج الانتخابي العام خلال 2026.
لذلك، ستكون انتخابات 2026 بالنسبة لحزب حزب العدالة والتنمية محطة مفصلية لاختبار قدرته على تحويل حضوره السياسي الحالي إلى قوة انتخابية حقيقية. فرغم الهزيمة القاسية التي تعرض لها سنة 2021، أظهر الحزب قدرته على إحراج الحكومة والتأثير في النقاش العمومي، مستفيدا من أداء معارضة نشطة ومن خطاب سياسي حافظ على حضوره الإعلامي والشعبي، رغم محدودية عدد مقاعده.
هذا الحضور النوعي يجعل “المصباح” يدخل الاستحقاقات المقبلة بطموح واضح يتمثل في العودة إلى واجهة المشهد السياسي والمنافسة على المراتب الأولى، مستندا إلى قناعة داخلية بأن نتائج 2021 لم تعكس النهاية السياسية للحزب، بقدر ما كانت لحظة عقاب انتخابي مرتبطة بسياق معين. ولذلك فهو يحاول تقديم نفسه اليوم كقوة سياسية استعادت توازنها التنظيمي والسياسي، وقادرة على استثمار أخطاء المرحلة الحالية لاسترجاع جزء من قواعدها الانتخابية.
وإذا نجح الحزب في تحقيق تقدم ملموس خلال انتخابات 2026، فإن ذلك سيعني بالنسبة إليه أن مرحلة السقوط الحاد أصبحت وراءه، وأنه تمكن من العودة تدريجيا إلى قلب المعادلة السياسية. أما إذا أخفق في تحويل حضوره السياسي الحالي إلى مكاسب انتخابية حقيقية، فسيجد نفسه أمام أسئلة أكثر تعقيدا تتعلق بقدرته على استعادة وهجه السابق، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المزاج الانتخابي المغربي خلال السنوات الأخيرة.







