مع اقتراب كل موعد انتخابي في المغرب، يتجدد مشهد مألوف تحوّل، مع مرور السنوات، إلى طقس سياسي عابر للأيديولوجيات، حيث تُشرّع الأحزاب، على اختلاف تلاوينها — يمينية كانت أو يسارية أو إسلامية — أبوابها لاستقطاب وجوه الشاشة والمسرح.
هذا التهافت الجماعي، وفق مصادر متخصصة في علم الاجتماع السياسي تحدثت لـ”نيشان“، يعكس أزمة بنيوية عميقة تعيشها الماكينات الحزبية، التي باتت تعتمد على ما يمكن وصفه بـ”التسليع الانتخابي” واستدعاء نجومية الشاشة لتعويض هشاشة برامجها وعزوف قواعدها، بما يحوّل مقرات الأحزاب إلى ما يشبه كواليس تصوير يبحث فيها السياسي عن “مغناطيس جماهيري” سريع المفعول، يوفر عليه عناء إقناع المواطنين بمشاريع مجتمعية حقيقية.
غير أن تقييم هذه الظاهرة منذ محطة 2011، حين ولج الممثل “ياسين أحجام” قبة البرلمان باسم حزب العدالة والتنمية، وصولاً إلى انتخابات 2021 التي حملت الممثلتين فاطمة خير وكليلة بونعيلات باسم التجمع الوطني للأحرار، أبان عمليا عن محدودية واضحة في الأداء التشريعي والرقابي لعدد من هؤلاء الفنانين، كما كشف ضعف تكوينهم السياسي؛ إذ غادر بعضهم المؤسسة التشريعية دون أثر يُذكر، بينما تحوّل آخرون من أصوات مستقلة يُفترض أن تجسد نبض الشارع وهمومه، إلى مجرد أرقام منضبطة داخل الأغلبية أو صدى لتوجيهات القيادة الحزبية التي منحتهم التزكية.
ولعل الذاكرة القريبة للمغاربة لا تزال تحتفظ بالجدل الذي أثارته البرلمانية/ الممثلة “فاطمة خير”، حين انخرطت، قبل أشهر قليلة، في خطاب تبريري غلبت عليه نبرة الإشادة المفرطة برئيس حزبها آنذاك، عزيز أخنوش، في مشهد كشف بوضوح كيف يمكن للحسابات السياسية الضيقة أن تبتلع نجومية الفنان، وتحوله إلى أداة لتأثيث المشهد السياسي ولعب أدوار الولاء الحزبي مقابل ريع التزكية.
واليوم، يعود هذا النقاش بقوة إلى الواجهة ليؤكد أن المنظومة الحزبية لم تستخلص الكثير من دروس التجارب السابقة، بل تبدو مصرة على إعادة تدوير الوصفة البراغماتية ذاتها، وهي المفارقة التي تجسدت مؤخراً في اعتزام حزب العدالة والتنمية تزكية الفنانة الكوميدية “فاطمة وشاي” وكيلةً للائحته الجهوية بالدار البيضاء خلال الاستحقاقات المقبلة لـ23 شتنبر.
غير أن وجه الغرابة في هذه الخطوة لا يقف عند حدود التزكية في حد ذاتها، بل يمتد إلى محاولة إعادة تقديم “وشاي” بصورة “الفنانة الملتزمة والمناضلة الرِسالية”، في وقت يعلم فيه المتابعون أن رصيدها الفني، مع كامل الاحترام لجماهيريتها وموهبتها، تأسس أساسا على الأدوار الكوميدية والفكاهة الشعبية والسيتكومات الرمضانية، من قبيل مشاركاتها المعروفة في “حديدان” و”دواير الزمان” و”زايد ناقص”.
وتبلغ المفارقة السياسية ذروتها في كون هذه الأعمال الكوميدية والتلفزيونية نفسها كانت، لسنوات، موضوع انتقادات حادة من حزب العدالة والتنمية، الذي اعتبرها نموذجاً لـ”الرداءة” و”تمييع القطب العمومي”، قبل أن يجد نفسه اليوم مدفوعا، بفعل جفاف خزانه الانتخابي، إلى الاستنجاد بنجوم هذه “الرداءة” المفترضة لاستمالة عواطف الطبقات الشعبية وحصد الأصوات، في مشهد يعكس تناقضًا سياسيًا صارخًا يحوّل النكتة والفرجة الرمضانية إلى رأسمال انتخابي بمجرد توقيع التزكية.
وفي هذا السياق، أكد “سمير موكان”، الباحث في علم الاجتماع السياسي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، في تفكيكه لأبعاد هذه الظاهرة العابرة للهيئات السياسية، أن “المنظومة الحزبية في المغرب تعيش حالة شبه عجز في إنتاج النخب وتأطير المواطنين، ما يدفعها إلى الاستنجاد بـ”مجتمع الاستعراض” لبناء شرعية انتخابية مؤقتة سرعان ما تتلاشى بانتهاء الموسم الانتخابي”.
وأضاف الباحث ذاته، في اتصال هاتفي مع “نيشان“، أن “هذه التزكيات تساهم بشكل مباشر في تجريف العمل السياسي وإفراغه من مضمونه الفكري والرقابي، كما تبعث برسائل إحباط قوية إلى المناضلين الفعليين والشبيبات الحزبية التي أمضت سنوات في التكوين والعمل الميداني والجامعي، قبل أن تجد نفسها مستبعدة لصالح وجوه تُستقدم بـ”مكالمة هاتفية” فقط لأنها تحظى بالشهرة لدى الرأي العام، وهو ما يعمق أزمة النفور والعدمية السياسية لدى فئة واسعة من الشباب الذين باتوا يرون السياسة تتحول تدريجياً إلى مجرد “سكتش” رديء الإخراج”.
ويؤكد حصاد تجارب “تسييس الفن وتفنين السياسة” منذ 2011 إلى اليوم أن إقحام الوجوه الفنية في العمل التشريعي دون خلفية سياسية متينة لم يفضِ، في كثير من الحالات، سوى إلى عطالة تشريعية وضعف رقابي لافت، في وقت تتساءل فيه مصادر ومتابعون للشأن السياسي عن جدوى تحويل البرلمان إلى فضاء لإعادة توزيع الريع الانتخابي، وعما إذا كان نجوم الكوميديا والدراما يمتلكون فعلاً القدرة الفكرية والسياسية على تفكيك القوانين المالية المعقدة ومراقبة السياسات العمومية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون فصلاً متجددًا من فصول تمييع المؤسسات وتحويل العمل التشريعي إلى فرجة موسمية رديئة السيناريو.







