في ظرف وجيز خرج ثلاثة قياديين بحلول متفاوتة لمحاربة أزمة التفرقيش.. البداية كانت مع نزار بركة الذي قال بضرورة إيجاد صيغة للتحكم في توزيع المنتجات في السوق، ثم رد عليه محمد شوكي بضرورة احترام اقتصاد السوق الحر، ثم جاء رد عزيز اخنوش الذي يريد أن ينتصر لدور الدولة في مراقبة السوق.
ظهر هذا في رد حاسم ومباشر على الخطاب الليبرالي الذي يدافع عنه محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، حيث أصدر رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمس الاثنين قرارا حكوميا يفرض تدابير تنظيمية صارمة على أسواق بيع أضاحي العيد، ويضع حدا لممارسات المضاربة والاحتكار والمنافسة غير الشريفة التي ترفع الأسعار بشكل غير مبرر.
القرار الذي جاء في بلاغ صحفي رسمي يحمل توقيع أخنوش شخصيا، يعتبر انتصارا واضحا لـمنطق الدولة الذي يضع حماية القدرة الشرائية للمواطنين فوق اعتبارات حرية المنافسة المطلقة التي بشر بها محمد شوكي رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، ويتوافق تماما مع الطرح الذي سبق أن دافع عنه نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال، حول ضرورة تدخل الدولة لتنظيم الأسواق الحساسة ومواجهة الاحتكار والمضاربة.
تدابير الدولة القوية التي وقعها أخنوش في البلاغ الرسمي المذكور، حددت مجموعة من الإجراءات التنظيمية والزجرية الواضحة والملزمة، أهمها حصر بيع الأضاحي داخل الأسواق المخصصة والمرخص لها قانونا، مع استثناء محدود للبيع المباشر داخل الضيعات الفلاحية، إلزام كل بائع بالتصريح المسبق لدى السلطات الإدارية المحلية بهويته وعدد الأضاحي ومصدرها قبل ولوج السوق.
كما منع القرار الحكومي شراء الأضاحي داخل الأسواق بغرض إعادة بيعها، وهو ما يستهدف بالضبط ظاهرة التفرقيش والمضاربة بشكل مباشر، وحظر كل أشكال التلاعب بالأسعار أو التأثير المصطنع عليها، سواء عبر المزايدات المفتعلة أو الاتفاقات الضمنية أو الصريحة.
إضافة إلى منع تخزين الأضاحي خارج المسالك التجارية الاعتيادية بهدف خلق ندرة مصطنعة أو افتعال ارتفاع في الأسعار.
وقد أكد القرار على اتخاذ إجراءات زجرية صارمة في حق المخالفين تشمل عقوبات حبسية وغرامات مالية ثقيلة، إضافة إلى إمكانية الإغلاق المؤقت لنقاط البيع المخالفة وحجز الأضاحي والمعدات المستعملة في المخالفات.
ويمكن اعتبار هذا الإجراء الحكومي، ردا مباشرا على الخطاب الليبرالي لمحمد شوكي رئيس عزيز اخنوش في الحزب، حيث جاء هذا القرار بعد أيام قليلة من تصريحات شوكي التي أكد فيها على حرية المنافسة والاقتصاد الحر، ورفضه القاطع لـلعودة إلى أساليب التدخل الحكومي القديمة.
أخنوش، الذي يرأس الحكومة بنفس الحزب، اختار، هذه المرة، أن يضع مصلحة المواطن والاستقرار الاجتماعي فوق موقف حزبه، وهو ما يُقرأ على نطاق واسع كرد فعلي واضح على موقف شوكي.
بهذا القرار، يكون أخنوش قد انتصر لمنطق الدولة الذي يرى أن بعض الأسواق الحساسة مثل سوق الأضاحي لا تتحمل حرية مطلقة، قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار يطال جيوب المغاربة مباشرة، وهو الطرح الذي سبق لنزار بركة أن دافع عنه بقوة في أكثر من مناسبة، مطالبا بتنظيم أشد للأسواق وحماية المستهلك من الممارسات غير السليمة.
السلطات العمومية أعلنت أنها ستسهر على التطبيق الصارم والعادل لهذه التدابير، ودعت كافة المهنيين والفاعلين في سلسلة تسويق الأضاحي إلى التحلي بروح المسؤولية والالتزام بالقوانين.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن، حسب المتتبعين، داخل أوساط حزب الأحرار وخارجها، كيف سيكون موقف شوكي بهذا الانتصار لمنطق الدولة الذي جاء من رئيس الحكومة المنتمي لحزبه، أم أن النقاش حول حدود الاقتصاد الحر سيستمر داخل الحزب بعد انتهاء موسم العيد؟
الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان القرار الحكومي المذكور مجرد تدبير استثنائي موسمي، أم بداية تحول حقيقي في فلسفة الحكومة تجاه دور الدولة في تنظيم الأسواق!







