الحكومة التي وقفت متفرجة إزاء استنزاف جيوب المغاربة من طرف لوبي المحروقات، حتى يضاعف السي أخنوش ثروته، هي ذاتها التي سارعت لتجنب “نطحة” خروف العيد مع اقتراب الانتخابات.
التدابير التي أعلنتها الحكومة في أسواق الأضاحي تحت شعار محاربة “الشناقة” والمضاربين تحمل في عمقها خوفا من انفلات محتمل…
انفلات سبق أن عاينا مشاهد منه بعد أن تجاوز الغلاء في هذا البلد كل الحدود، وصارت صدور الناس تغلي، كما صار العيد نكبة لمئات الآلاف من الأسر.
السؤال الذي تعين أن نطرحه هو: لماذا استعمل رئيس الحكومة صلاحيات ظل يحتفظ بها في الثلاجة لضبط أسواق الخرفان… لكنه في المقابل تجاهل تفعيل ذات الصلاحيات في سوق المحروقات، وغيره من القطاعات التي ترفل في نعيم الاحتكار والمضاربات، بعد تنصيب رئيس من ورق على رأس مجلس المنافسة؟
الجواب واضح: رئيس الحكومة، الملياردير عزيز أخنوش، قد استسلم للمنصب ورائحة أرباح “المازوط”.
كما هو واضح أن الناطق الرسمي باسم الحكومة لم يعد يتمشى في الأسواق ليعاين النار المستعرة في الأسعار، وكيف انتفخت الأثمنة وقفزت عالياً، في وقت خرج فيه زميله في الحكومة ليبشر بخروف بـ1000 درهم.
حين هدد لوبي التعليم الخاص بإضراب وطني في سابقة من نوعها، احتجاجا على محاولة محتشمة للنبش في تهربه الضريبي، كانت النتيجة أنه استفاد من تسهيلات مريحة وامتيازات إضافية جعلته يتمادى في ممارسات غير قانونية تنطوي على احتيال مالي.
نفس السيناريو وقع مع شركات المشروبات والعصائر التي كشرت عن أنيابها وبعثت بتهديد صغير، جعل الحكومة السابقة تنقلب على نفسها وتسارع إلى سحب التعديلات المتعلقة برفع نسبة الضريبة على استهلاك المشروبات السكرية.
الأمر ذاته حدث مع لوبي المصحات الخاصة الذي هدد بوقف التعامل بالتغطية الصحية في حال لم تُراجع التعريفة المرجعية، للسماح له بمراكمة المزيد من الأرباح، والنتيجة أن الحكومة سارعت لوضع مراجعة التعريفة ضمن أولوياتها.
في المقابل، غرقت عدد من القطاعات التي تعني آلاف المغاربة في الاحتجاجات والإضرابات منذ شهور وسنوات دون أن تجد أي صدى حكومي، كما يحصل في قطاع التعليم و”قلة الصحة”، رغم احتجاجات جيل “زد” التي ولدت لنا أزيد من 2400 معتقل.
اليوم أيضا تستمر الأبناك في مواصلة أرباحها الضخمة، بل وستستفيد من دعم حكومي، في وقت تغرق فيه البلاد في المديونية، بعد أن تم دفن المهمة الاستطلاعية التي كان من المفترض أن تنبش في العلبة السوداء للمؤسسات البنكية.
اليوم نعاين أيضا كيف تحولت غرامات مجلس المنافسة حول المحروقات إلى مجرد فقاعة صغيرة سرعان ما اختفت دون مفعول، لتستمر شركات المحروقات في جني ملايير إضافية من الأرباح غير المشروعة.
هذه الحقيقة وأمام التسريبات “العنكبوتية” الصادمة تكشف أننا كنا ولا زلنا مستسلمين لواقعنا كبلد تتحكم فيه اللوبيات والعائلات المخملية، ويُسيطر فيه أصحاب المصالح الكبيرة القادرة على تدوير المناصب والمسؤوليات،و تركيع الأغلبيات الحكومية وإجبارها على الإذعان بسرعة قياسية.
اليوم نجد أنفسنا أمام سؤال يختزل حقيقة ما يحدث: نحن في الواقع أمام لوبيات تستفيد من هدايا حكومية بالمليارات، وتواصل مص دم المغاربة بعد أن اتضح أن لها سندا يتجاوز المؤسسة التشريعية.
اللافت أن الجميع اعتبر نفسه غير معني بخيوط الدخان التي تنبعث من الأزمة التي يعاني منها ملايين المغاربة الذين انهارت قدرتهم الشرائية، رغم خروج شباب “جيل زد” للشارع، وطرقهم لجدران الخزان حول ما يعانيه عموم المغاربة يوميا مع “القفة”، والبطالة، وظلم المؤشر، وسوء الإدارات والمستشفيات.
حكومة “تستاهلو حسن” التي يرأسها أكبر تاجر للمحروقات بالبلاد، ظلت تعتبر نفسها غير معنية بلهيب الغلاء الذي حرق جيوب المغاربة، بعد أن اختبأت وراء حرب أوكرانيا وسعر الدولار والجفاف وحرب إيران.
لطالما كان الظلم الاجتماعي وتفشي الغلاء والفساد بمثابة عود الثقاب الذي يشعل فتيل الاحتجاجات والغضب الشعبي في عدد من الدول، وهو سيناريو يبدو أن الحكومة ورئيسها غير مقدرين لخطره…







