كشفت وسائل إعلام إسبانية عن أبعاد سباق صناعي صامت ومحتدم يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية لمنطقة الأورومتوسط، حيث تحول مضيق جبل طارق في الآونة الأخيرة إلى المركز العصبي لمعركة استقطاب عملاقة تصيغها بكين بصفتها المهندس الأول والمحرك غير المرئي لخارطة صناعة السيارات الجديدة بين الرباط ومدريد.
وضمن هذه الحرب الباردة حول إنتاج العربات الكهربائية وبطارياتها، تتابع التقارير القادمة من مدريد بكثير من التوجس كيف أن الشركات الصينية العملاقة لا تتصرف كمجرد مستثمر عابر يبحث عن صفقات تجارية، بل تلعب دور الحَكَم الجيوسياسي الذي يزن بدقة نقاط القوة والضعف بين جارتين تاريخيتين، مستغلة التنافس المحموم بين العاصمتين لتحقيق أقصى درجات المرونة والتحوط ضد التقلبات السياسية والتعريفات الجمركية الغربية.
ومن خلال هذا التوزيع المدروس للاستثمارات، تحولت غرف مجالس الإدارة في بكين إلى مطبخ لوجستي يقرر أين تُصنع السيارات وأين تُجمع مكوناتها الأكثر تعقيداً، واضعة كلاً من المغرب وإسبانيا في معادلة تكاملية وتنافسية معقدة تتجاوز منطق الحدود الوطنية لصالح سلاسل الإمداد العالمية الشاملة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى استراتيجية صينية مزدوجة المحاور تعتمد على توزيع المشاريع والمنشآت العملاقة المعروفة بـ “الجيغافاكتوريز” بناءً على طبيعة المزايا النسبية لكل ضفة؛ ففي الجانب الإسباني، يتركز الرهان الصيني على استغلال القرب المباشر من السوق الأوروبية الموحدة والاستفادة من الصناديق والمساعدات السخية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لدعم التحول الأخضر، فضلاً عن وجود بنية تحتية متطورة للغاية ومواكبة تكنولوجية ذات قيمة مضافة عالية.
ويتجسد هذا الرهان في التدفق غير المسبوق لرؤوس الأموال الصينية نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، والذي يقوده عملاق البطاريات العالمي “سي آي تي إل” (CATL) عبر مشروع استثنائي تتجاوز قيمته أربعة مليارات يورو لإنشاء مصنع ضخم للبطاريات، إلى جانب دخوله في تحالف استراتيجي مع مجموعة “ستيلانتيس” لإقامة منشأة مشتركة في سرقسطة، تتكامل مع مشروع “باور كو” التابع لمجموعة فولكس فاجن في ساغونتو، مما يعزز مكانة إسبانيا كركيزة صناعية تكنولوجية في القارة العجوز.
وعلى مستوى تجميع السيارات، تتسع رقعة الانتشار الصيني في إسبانيا لتشمل دخول شركة “ليفموتور” على خط تشغيل مصنع ستيلانتيس في سرقسطة مع دراسة التوسع نحو موقع فيلافيردي في مدريد، في حين تعكف مجموعة “سايك” على دراسة مشروع مجمع صناعي متكامل في منطقة غاليسيا، وتتطلع “تشانغان” نحو إقليم أراغون، وتخوض “هونغتشي” مفاوضات متقدمة للإنتاج في سرقسطة، وحتى المصانع الغربية المتعثرة باتت تجد في الصين طوق نجاة، مثل مصنع “فورد” في ألموسافيس بالقرب من فالنسيا، والذي يمر بفترة إنتاجية حرجة ويترقب الانتعاش عبر شراكة استراتيجية مع مجموعة “جيلي” الصينية.
ورغم هذه الشبكة الضخمة من الاستثمارات، فإن الأوساط الاقتصادية الإسبانية تبدي قلقاً متزايداً من كابوس هجرة الإنتاج نحو الجنوب، خاصة وأن هذا النموذج الإيبيري يصطدم بعقبات داخلية ترتبط بارتفاع الكلفة الصناعية والتوترات العمالية، وهو ما ظهر جلياً في الأزمة الاجتماعية الحادة التي شلت مصانع “رونو” في بلد الوليد وبالينسيا إثر فشل المفاوضات النقابية بشأن الاتفاقية الجماعية الجديدة، مما أدى إلى تجميد خطط إنتاج خمسة طرازات هجينة وكهربائية جديدة، ودفع المجموعة الفرنسية إلى التلويح علناً بنقل مشاريعها المستقبلية نحو الضفة المغربية بحثاً عن كلفة إنتاج أقل وبيئة تشريعية أكثر مرونة وعملية لوجستية متكاملة.
وفي مقابل هذه الاندفاعة، يقود المغرب هجوماً مضاداً ومنظماً نجح من خلاله في تحويل المملكة من مجرد ورشة تجميع تنافسية منخفضة الأجور إلى قوة صناعية إقليمية تمتلك سلسلة القيمة الكاملة لسيارات المستقبل، إذ لم يعد النجاح المغربي مقتصراً على الأرقام القياسية التي يسجلها مصنع “رونو” في طنجة، والذي تجاوزت عتبة إنتهائه السنوية ثلاثمائة ألف سيارة من طرازي “داسيا سانديرو” و”داسيا جوغر”، بل امتد ليشمل صناعة المكونات الدقيقة والبطاريات الكهربائية التي تمثل قلب العربة الكهربائية وعصبها المالي.
ووفقا للمصادر ذاتها، يتجلى الدور الاستراتيجي لبكين كمهندس لهذه الطفرة المغربية في المشروع الضخم الذي تقوده مجموعة “غوشين هاي تيك” الصينية في القنيطرة، باستثمار ضخم يصل إلى نحو ثلاثة مليارات يورو، ليوفر أكثر من ثلاثة آلاف فرصة عمل مباشرة بهدف بناء منظومة إنتاجية شاملة تبدأ من معالجة المواد الخام والمشتقات الكيميائية الحرجة وصولاً إلى تجميع خلايا البطاريات وتصديرها.
وفي تفوق رمزي يحمل دلالات صناعية عميقة، تمكنت منظومة القنيطرة الصناعية في المغرب من البدء بالفعل في إنتاج أولى خلايا البطاريات الكهربائية محلياً، وهي خطوة تنفيذية متقدمة لم تبلغها إسبانيا بعد على المستوى الصناعي الواسع، رغم إعلان مدريد عن مشاريع ضخمة في ساغونتو وسرقسطة لا تزال في طور البناء ولم تشرع خطوطها في الإنتاج الفعلي.
ويرتكز هذا السبق المغربي على ذكاء استباقي في تأمين إمدادات المعادن الحرجية اللازمة للصناعات نظير الكوبالت والفوسفات، وعقد شراكات طويلة الأمد مع الموردين الصينيين، مدعومة ببنية لوجستية خارقة يقودها ميناء “طنجة المتوسط” وينضم إليه قريباً ميناء “الناظور غرب المتوسط” كبوابات بحرية متطورة للغاية قادرة على ربط سلاسل الإنتاج بالأسواق العالمية بأقل كلفة وأسرع وقت ممكن.







