بعد أشهر قليلة من تمرير القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بممارسة حق الإضراب، عاد الجدل القانوني والسياسي حول النص إلى الواجهة عقب صدور رأي استشاري عن محكمة العدل الدولية بلاهاي اعتبر أن حق الإضراب يندرج ضمن الحقوق المكفولة بموجب الاتفاقية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي.
وأعاد هذا التطور الدولي فتح النقاش بشأن مدى انسجام القانون المغربي مع الالتزامات الدولية للمملكة، خاصة بعد إعلان الأمانة العامة للاتحاد المغربي للشغل رفضها استمرار العمل بالقانون، ودعوتها إلى تعليقه، معتبرة أن الرأي الصادر عن محكمة العدل الدولية يعزز موقف المركزيات النقابية الرافضة لما تصفه بالمقتضيات “التقييدية والزجرية” الواردة في النص.
وبحسب معطيات حصل عليها “نيشان” من مصادر مطلعة بوزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، فإن القرار الأممي أثار نقاشا داخل الأوساط الحكومية بشأن التداعيات القانونية المحتملة على مسار تنزيل القانون، في ظل ما يطرحه من إشكالات مرتبطة بمدى توافق التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
وترى أوساط قانونية أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية قد يعيد طرح النقاش داخل المحاكم المغربية حول أولوية تطبيق الاتفاقيات الدولية المرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية، خاصة وأن ديباجة الدستور المغربي تنص على سمو الاتفاقيات الدولية، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن عدداً من المركزيات النقابية شرع في إعداد مذكرات قانونية تستند إلى حيثيات الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، تمهيدا لاستعمالها في الطعون المرتبطة بالقانون التنظيمي للإضراب، سواء أمام القضاء العادي أو في إطار المساطر الدستورية.
كما يرتقب أن يعود الملف إلى واجهة النقاش أمام المحكمة الدستورية، في ظل استمرار الجدل بشأن بعض مقتضيات القانون، خصوصاً تلك المتعلقة بالشروط التنظيمية والعقوبات المرتبطة بممارسة الإضراب، والتي تعتبرها النقابات تضييقاً على الحق النقابي، بينما تؤكد الحكومة أنها تهدف إلى تأطير ممارسة هذا الحق وضمان استمرارية المرافق والخدمات.
وامتدت تداعيات الملف إلى المستوى الدولي، بعدما كشفت مصادر نقابية عن وجود تنسيق بين الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الدولي للنقابات لبحث إمكانية اللجوء إلى منظمة العمل الدولية، عبر تقديم شكاية رسمية بشأن مدى مطابقة القانون المغربي للاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالحقوق النقابية.
ويضع هذا التطور الحكومة أمام تحديات قانونية ودبلوماسية متزايدة، في ظل حرص المغرب على الحفاظ على التزاماته الدولية وصورته كشريك اقتصادي يحترم المعايير المرتبطة بالحقوق الاجتماعية والحريات النقابية، خاصة في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية.







