بعد أن ظلت لسنوات محط انتقادات لاذعة في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، والتي سجلت ضعف نجاعة برامج “إدماج” و”تأهيل”، ومحدودية أثر الوكالة في محاصرة بطالة الخريجين، فضلاً عن غياب الحكامة الكافية في ضبط منظومة الوساطة، كشفت مصادر مطلعة لـ”نيشان” أن وزارة الاقتصاد والمالية قررت وضع وكالة “أنابيك” تحت مجهر “التدقيق الشامل”.
وتأتي هذه الخطوة عبر غلاف مالي يناهز 900 ألف درهم، في توقيت حساس يتزامن مع منتصف المخطط الاستراتيجي للوكالة، وفي ظل مؤشرات مالية وتدبيرية تثير العديد من علامات الاستفهام.
وتكتسي هذه الخطوة طابعاً استعجالياً يتجاوز مجرد التدقيق المالي والإداري الكلاسيكي، إذ تفيد المعطيات المتوفرة بأن العملية تروم الوقوف على مدى نجاعة المخطط الاستراتيجي الحالي للوكالة المعروف باسم “ANAPEC 4E 2022-2026″، ومدى قدرته على تحقيق الأهداف التي تم تسطيرها عند إطلاقه.
كما أن إخضاع هذا المخطط تحديداً لتقييم مفصل ودقيق، وربطه بمقارنات مرجعية دولية وأدوات تحليل بنيوية، يعكس، بحسب المصادر، رغبة في قياس مدى قدرة الاختيارات المعتمدة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل.
وتفيد المصادر ذاتها بأن هذه الخطوة تأتي في سياق تزايد التساؤلات حول فعالية البرامج التي تشرف عليها الوكالة، ومدى قدرتها على تقديم إجابات عملية لإشكالية البطالة، لاسيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وذلك رغم الرهانات التي واكبت إطلاق المخطط الاستراتيجي قبل سنوات، والوعود المرتبطة بتعزيز قابلية التشغيل ودعم التشغيل الذاتي.
وترى مصادر نيشان أن لجوء الوزارة الوصية على النفقات إلى الاستعانة بمكتب دراسات خارجي لإعادة تقييم مدى تحقق الأهداف المسطرة، ومقارنة النتائج بالمؤشرات المعتمدة، يعكس حجم التحديات التي تواجه الوكالة في تنزيل برامجها على أرض الواقع. ووفق هذه القراءة، فإن التدقيق المرتقب قد يكشف حجم الهوة بين التصورات الاستراتيجية الموضوعة على الورق والنتائج العملية المحققة، خصوصاً في ظل التحولات التي يعرفها سوق الشغل وطنيا ودوليا.
وبحسب المصادر نفسها، فإن هذا التقييم الاستباقي يضع الأداء التدبيري والسياسة التوقعية للوكالة أمام اختبار حقيقي، كما يعيد طرح النقاش حول جدوى بعض المخططات العمومية ومدى قدرتها على إنتاج أثر ملموس، في وقت تستمر فيه النفقات المرتبطة ببرامج التشغيل في الارتفاع، مقابل استمرار الانتقادات بشأن محدودية انعكاساتها على المؤشرات العامة للتشغيل.
وينتظر أن يشكل هذا التشريح الاستراتيجي، الذي يتقاطع فيه البعد التنظيمي بالنموذج الاقتصادي للوكالة، مدخلاً لإعادة النظر في تموقع “أنابيك” ودورها المستقبلي، خاصة في ظل تنامي الاهتمام بمردودية المؤسسات العمومية ومدى قدرتها على تحقيق الغايات التي أحدثت من أجلها.
وترى مصادرنا أن المرحلة المقبلة قد تحمل مراجعات عميقة لآليات اشتغال الوكالة، بما يضعها أمام تحدي الانتقال من منطق إعداد المخططات إلى تحقيق نتائج قابلة للقياس على أرض الواقع.







