فهِمَ عزيز أخنوش متأخرا أن دعوات المغاربة “خايبة”، خصوصا عندما يتعرضون للظلم، وأكبر ظلم تعرّض له المواطنون خلال السنوات الأخيرة تختزله “الساعة الإضافية”، التي حولت حياة الكبار إلى جحيم، وصباحات الأطفال إلى ظلام، وجعلت الزمن المغربي مختلا… وأيّا كانت الأسباب التي دفعت رئيس الحكومة إلى التخلّي عن الساعة “الملعونة”، والعودة إلى جادة غرينيتش، فإن القرار يستحق التصفيق. الفهم المتأخر أفضل من عدم الفهم، في كل الأحوال.
طوال سنوات، ساد الاعتقاد بأن الساعة “الزائدة” سببها شركة “رونو”التي رهنت استثماراتها في المغرب بضرورة تغيير التوقيت كي يسهل التواصل مع فروع الشركة في أوربا، لذلك تركز الغضب على المدير العام للشركة الفرنسية، كارلوس غصن، الذي لم تخطئه “دعوة المظلوم”، وانتهى سجينا في زنزانة يابانية، قبل أن يلوذ بالفرار، ويتحول من مدير إحدى أكبر الشركات العالمية إلى مجرم هارب من العدالة. “المغاربة شرفا ودنوبهم صعيبة”. والأرجح أن “صحوة الضمير” التي أصابت أخنوش، جاءت بعد مؤتمر حزب “التجمع الوطني للأحرار” بالجديدة، حيث كان يتهيأ لإطلاق حملته الانتخابية، من أجل ولاية حكومية ثانية، قبل أن تأتيه مكالمة هاتفية عصفت بكل مشاريعه المستقبلية، وأجبرته على تسليم مفاتيح الحزب إلى محمد شوكي… وحين فتش عن السبب، وجده بسيطا للغاية: “دعاوي المغاربة خرجات فيه”!
طبعا، البعض فسّر تراجع أخنوش عن الساعة الإضافية، بالرغبة في قطع الطريق على غريمه عبد الإله بنكيران، الذي جعل من إسقاطها أحد رهانات حملة “العدالة والتنمية” في الانتخابات التشريعية المقبلة، وقلّما توحّد المغاربة في رفض قرار حكومي مثلما صنعوا مع “ساعة رونو”، علما أن نسبها الحقيقي لا يعود لكارلوس غصن، ولا لأخنوش، بل لسعد الدين العثماني، رئيس وزراء “العدالة والتنمية”، الذي وقّع في 26 أكتوبر 2018 على مرسوم “الزيادة”، مثلما وقع في على مرسوم التطبيع مع إسرائيل في 22 ديسمبر 2020، ولعلّهما القراران الأكثر إثارة للسخط في تاريخ المغرب الحديث. رغم ذلك غادر العثماني الحكومة مبتسما، واستأنف العمل في عيادته، وسط الرباط، كأن شيئا لم يكن، تاركاً أخنوش وجها لوجه مع “دعاوي” المغاربة. ليس كلّهم طبعا. بعض المواطنين “مادّات منهم الساعة لاحق لا باطل”، منذ 2018 وهم يتعاملون معها بتجاهل تام، ويعيشون بفرق ستين دقيقة عن التوقيت الإداري، دون أي مشكلة. تعطي لواحد منهم موعدا في العاشرة -مثلا- ويسألك: “العشرة القديمة ولا الجديدة؟”، وإذا اختلفتما حول بعض التفاصيل، يتحول النقاش الى محاورة سوريالية، تضيع فيها بين الأزمنة.
آخرون وجدوا الحلّ: يعلقون “جوج ماگانات” على الجدار، واحدة تشير الى التوقيت القديم وأخرى للتوقيت الجديد، لا يجدون أدنى حرجا في العيش بين زمنين مختلفين !
بعيدا عن الساعة الإضافية، قريبا لا منها، نحن المغاربة لدينا علاقة متوترة مع الوقت، لا نعرف كيف نضبط إيقاعه، مثل سائر الشعوب “المتخلفة”، التي توصف كذلك تحديدا بسبب علاقتها المختلة مع الزمن، لذلك سُمِّيَ “التخلف” “تأخرا”، وطرح المتنورون العرب منذ عصر النهضة سؤالهم الشهير : “لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا ؟”
المغربي شخص “متأخر” بطبعه، لا يأتي في الوقت إلا نادرا. تتصل بصديقك الذي ضرب لك موعدا ولم يصل، فتسمع منه: “دقيقة ونكون عندك” وتكتشف أن الدقيقة المغربية هي أطول دقيقة في العالم. وأشهر حكمة تعلمنا في المدرسة هي “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”، لكن المدرسين أنفسهم كانوا يأتون متأخرين، لذلك أصبحت علاقتنا مع الزمن معقدة، وبدل أن نتربى على احترام المواعيد تعلمنا “الكيل بمكيالين”، و”أن نقول ما لا نفعل”. وعندما انخرطنا في الأحزاب والجمعيات، كان التنكيل بالوقت رياضة شعبية، يكون “مكتب الفرع” مكونا من طلاب وتلاميذ وأساتذة، لا أحد منهم ينهي دوامه قبل السادسة مساء، ومع ذلك نتفق على الاجتماع في السادسة تماما، دون أن يعترض أحد، رغم أن الجميع يعرف أنه لن يصل في الموعد، وربما لن يأتي أبدا، وتلك قصة أخرى. الاعتذار عن التأخر أو عدم الحضور، لم يكن موجودا في القاموس بالمرة. إحدى مشكلاتنا العويصة كمغاربة أننا تربينا على إخلاف المواعيد دون اعتذار، كما تعودنا على مديح التأخر: “لا زربة على صلاح”، “ما كيسبق للسوق غير الشفانجية والعطارة”،”اللي زربو ماتوا”، و”الساعةُ لله”…
الساعةُ لله!







