وضع تقرير جديد للبنك الدولي الاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030” أمام أول اختبار فعلي لنجاعتها، بعدما خلص إلى أن تحسن المؤشرات الماكرو-اقتصادية التي حققها المغرب خلال سنة 2025 لم ينعكس بعد على التحول الرقمي للمقاولات، محذرا من أن استمرار فجوة الرقمنة قد يحد من استدامة النمو الاقتصادي.
وفي أحدث أعداد المرصد الاقتصادي للمغرب، المعنون بـ”ترسيخ النمو: التحول الرقمي كدافع للإنتاجية”، سجل البنك الدولي أن الاقتصاد المغربي حقق معدل نمو بلغ 4.9 في المائة خلال سنة 2025، وهو الأعلى منذ أكثر من عقد، مدفوعا بالاستثمارات العمومية الكبرى، ولاسيما المشاريع المرتبطة بالتحضير لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030. غير أن المؤسسة المالية الدولية اعتبرت أن هذه الدينامية الاقتصادية لن تتحول إلى مكاسب مستدامة ما لم تترافق مع تسريع التحول الرقمي داخل النسيج المقاولاتي الوطني.
وأشار التقرير إلى أن تحسن المؤشرات الاقتصادية، مدعوما بتراجع معدل التضخم إلى 0.8 في المائة وتقليص عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة، ساهم في تعزيز متانة الاقتصاد الوطني وتحسين تصنيفه الائتماني، لكنه شدد في المقابل على أن استمرار الاعتماد المحدود على التكنولوجيا داخل المقاولات يظل من أبرز الاختلالات التي تعيق رفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي.
وفي هذا السياق، أكد المدير الإقليمي لدائرة المغرب العربي ومالطا بالبنك الدولي، أحمدو مصطفى ندياي، أن الحفاظ على المكاسب الاقتصادية الحالية يستوجب إطلاق مصادر جديدة للإنتاجية، معتبرا أن التكنولوجيا الرقمية تمثل الرافعة الأكثر قدرة على تحقيق هذا الهدف.
وأضاف أن المغرب يتوفر على المقومات الضرورية لإنجاح هذا التحول، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الاستخدام المحدود للتقنيات الرقمية إلى إدماجها بشكل واسع وعميق في مختلف الأنشطة الاقتصادية.
وتكشف نتائج مسح اعتماد التكنولوجيا الواردة في التقرير حجم الهوة بين الأهداف التي ترفعها الاستراتيجية الحكومية وواقع المقاولات المغربية، إذ أظهرت البيانات أن أقل من 20 في المائة فقط من الشركات تعتمد برمجيات متقدمة أو أنظمة رقمية متكاملة لتدبير الزبناء وسلاسل التوريد والعمليات الإنتاجية، وهو ما يعكس محدودية انتشار الرقمنة داخل القطاع الخاص رغم إطلاق برامج حكومية متتالية في هذا المجال.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى النتائج التي خلص إليها التقرير، والتي تفيد بأن المقاولات التي تعتمد الرقمنة المتقدمة تحقق مكاسب في الإنتاجية تصل إلى 70 في المائة، وتوفر فرص شغل بنسبة تفوق 10 في المائة، كما تؤدي أجورا أعلى بنحو 27 في المائة مقارنة بالمقاولات الأقل اعتمادا على التكنولوجيا، بما يعني أن استمرار ضعف التحول الرقمي لا يحرم المقاولات فقط من تحسين تنافسيتها، بل يحد أيضا من انعكاس النمو الاقتصادي على سوق الشغل ومستويات الدخل.
وتضع هذه الخلاصات أهداف استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” أمام تحدي الانتقال من مرحلة الإعلان عن البرامج إلى تحقيق نتائج ملموسة داخل المقاولات، خصوصا في ما يتعلق بتوسيع استخدام الحلول الرقمية، وتقليص الفجوة التكنولوجية، وتأهيل الرأسمال البشري، وهي الأوراش التي يعتبرها البنك الدولي شرطا أساسيا لتحويل النمو الظرفي إلى نمو قائم على الإنتاجية والابتكار.
وفي تقدير المؤسسة المالية الدولية، فإن تضييق الفجوة الرقمية من شأنه أن يرفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد المغربي بما يصل إلى 15 في المائة، وهو ما يجعل نجاح ورش الرقمنة أحد الرهانات الحاسمة خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار ضغوط خارجية مرتبطة بتوالي سنوات الجفاف وتقلبات الاقتصاد العالمي والتوترات الجيوسياسية، وهي عوامل تجعل من تعزيز الإنتاجية الداخلية خيارا اقتصاديا أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.







