في الوقت الذي استكمل فيه قطاع التواصل إجراءات توزيع مدد البث والتغطيات الإخبارية الخاصة بالأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، تفرض التحولات التي عرفها المشهد الإعلامي بالمغرب سؤالا جديدا حول مدى احتفاظ الإعلام العمومي بقدرته على التأثير في المزاج الانتخابي للناخبين، في ظل الصعود المتواصل للمنصات الرقمية باعتبارها فضاء رئيسيا للتواصل السياسي.
وأجريت، الخميس الماضي، بمقر قطاع التواصل بالرباط، القرعة الخاصة بتوزيع تدخلات الأحزاب السياسية بوسائل الاتصال السمعي البصري العمومية، والتي أسفرت عن تصنيف الأحزاب المشاركة ضمن ثلاث فئات، خصصت لها مدد زمنية متفاوتة تراوحت بين 21 دقيقة و9 دقائق، فضلا عن تحديد آجال وشروط التغطيات الإخبارية الخاصة بأنشطتها الانتخابية خلال فترة الحملة.
وترى مصادر تحدثت لـ”نيشان” أن تنظيم الولوج إلى الإعلام العمومي خلال الاستحقاقات الانتخابية ما يزال يشكل إحدى الضمانات الأساسية لتكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين الأحزاب السياسية، غير أن حجم التحولات التي شهدتها وسائل تشكيل الرأي العام خلال السنوات الأخيرة أفرزت واقعا جديدا باتت فيه المنصات الرقمية تنافس، بل وتتجاوز أحيانا، وسائل الإعلام التقليدية من حيث الوصول إلى الناخبين وقدرتها على صناعة النقاش العمومي.
وتضيف المصادر ذاتها أن دقائق البث المخصصة للأحزاب السياسية لم تعد وحدها المحدد الرئيسي لحجم الحضور والتأثير خلال المواسم الانتخابية، بعدما أصبحت الأحزاب مطالبة بخوض معركة موازية داخل الفضاء الرقمي، الذي يتيح إمكانيات أكبر للوصول إلى فئات واسعة من الناخبين، خاصة الشباب منهم، خارج القيود الزمنية والتنظيمية التي تحكم الإعلام العمومي.
وفي السياق ذاته، تذهب قراءات أخرى إلى أن النموذج الذي يقوم على توزيع مدد البث وفق التمثيلية البرلمانية ما يزال يحتفظ بأهميته المؤسساتية، باعتباره آلية قانونية لضمان الإنصاف بين مختلف الفاعلين السياسيين، إلا أن تأثيره السياسي لم يعد منفصلا عن التحولات التي يعرفها المجال الإعلامي، حيث انتقل جزء مهم من النقاش الانتخابي إلى منصات التواصل الاجتماعي والمحتويات الرقمية القصيرة التي أصبحت أحد أبرز أدوات الاستقطاب السياسي خلال الاستحقاقات الانتخابية.
وتشير هذه القراءات إلى أن التحدي الذي يواجه الإعلام العمومي اليوم لا يرتبط فقط بتوزيع دقائق البث بين الأحزاب السياسية، وإنما أيضا بقدرته على تطوير صيغ تواصلية أكثر جاذبية وتفاعلية مع الجمهور، بما يسمح له بالحفاظ على أدواره التأطيرية والتنويرية في سياق إعلامي متغير.
وبينما تستعد الأحزاب السياسية لانطلاق الحملة الانتخابية المقبلة، يبدو أن المعركة لم تعد تدار حصرا داخل استوديوهات الإذاعة والتلفزة، بل أصبحت تخاض أيضا على امتداد الفضاء الرقمي، الذي بات يشكل أحد أبرز محددات التأثير في الناخب المغربي خلال السنوات الأخيرة.







