أعاد التقرير الأخير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لسنة 2026 طرح أسئلة جوهرية حول الخيارات الجبائية لحكومة عزيز أخنوش، بعدما كشف احتلال المغرب المرتبة الثانية عالميا من حيث المعدل القانوني للضريبة على أرباح الشركات بنسبة تبلغ 35 في المائة، متجاوزة بذلك المتوسط العالمي المحدد في 21.2 في المائة والمتوسط الإفريقي البالغ 26.6 في المائة.
ولا تبدو هذه الأرقام مجرد معطيات تقنية معزولة، بقدر ما تعكس تحولا لافتا في فلسفة تمويل النفقات العمومية خلال السنوات الأخيرة، في ظل اتساع الالتزامات المالية المرتبطة بتنزيل ورش “الدولة الاجتماعية”، من تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر إلى الاستثمارات العمومية الضخمة في البنيات التحتية والمشاريع الاستراتيجية الكبرى.
وتوحي المؤشرات الاقتصادية بأن الحكومة اختارت، إلى حد بعيد، الاعتماد على موارد جبائية مضمونة وسريعة لتغطية جزء من هذه الكلفة المتصاعدة، وهو خيار يضعها أمام تساؤلات متزايدة بشأن مدى قدرة النسيج الاقتصادي الوطني على تحمل مستويات الضغط الجبائي الحالية دون أن تنعكس على قدرته الاستثمارية والتنافسية.
ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة بالنظر إلى التوجهات الرسمية المعلنة للدولة خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت من تشجيع الاستثمار الخاص إحدى الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي. فبينما يراهن ميثاق الاستثمار الجديد على رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار الوطني واستقطاب الرساميل الأجنبية، تكشف الأرقام الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن واقع جبائي يضع المغرب ضمن الدول الأعلى عالميا من حيث المعدل القانوني للضريبة على الشركات.
ولا يتعلق الأمر هنا بالنسبة الضريبية في حد ذاتها فحسب، وإنما أيضا بالإشارات التي تبعثها إلى الفاعلين الاقتصاديين. فالتنافسية الجبائية أصبحت اليوم أحد المحددات الرئيسية في قرار الاستثمار، سواء بالنسبة للمقاولات الوطنية أو المستثمرين الأجانب، كما أن المقارنة لم تعد تقتصر على الاقتصادات المتقدمة، بل تشمل أيضا الدول الإفريقية التي دخلت خلال السنوات الأخيرة سباقا متسارعا نحو تحسين جاذبيتها الاقتصادية.
وتذهب قراءات اقتصادية إلى أن المفارقة لا تكمن في الحاجة إلى تمويل برامج الحماية الاجتماعية، وإنما في الكيفية المعتمدة لتوفير مواردها. فبدل أن يتجه النقاش نحو توسيع الوعاء الضريبي عبر إدماج جزء أكبر من القطاع غير المهيكل وتعزيز آليات مكافحة التهرب الضريبي، يبدو أن العبء الأكبر لا يزال يقع على عاتق الفاعلين الاقتصاديين المهيكلين الذين يؤدون التزاماتهم الضريبية بالفعل.
ويثير هذا المعطى مخاوف مرتبطة بالآثار المتوسطة والبعيدة المدى لهذه المقاربة، ذلك أن ارتفاع الضغط الجبائي لا ينعكس فقط على هوامش أرباح المقاولات، وإنما قد يؤثر أيضا على قدرتها على إعادة الاستثمار والتوسع وخلق فرص الشغل. كما أن أدبيات الاقتصاد الجبائي تحذر من أن بلوغ مستويات مرتفعة من الاقتطاع الضريبي قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى تقليص المادة الخاضعة للضريبة نفسها نتيجة تباطؤ المبادرة الاستثمارية أو انتقال جزء من الأنشطة الاقتصادية نحو الاقتصاد غير المهيكل.
ويبدو أن الشركات الصغرى والمتوسطة ستكون من أكثر الفئات تأثرا بهذا الواقع، بالنظر إلى محدودية هوامشها المالية مقارنة بكبرى المقاولات، في وقت تعول فيه السياسات العمومية على هذه الفئة تحديدا للرفع من وتيرة التشغيل وإنعاش الاقتصاد الوطني.
وتكشف المعطيات الدولية، في نهاية المطاف، أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بتمويل “الدولة الاجتماعية”، وإنما بضمان استدامة هذا التمويل دون المساس بأحد أهم مصادره، أي المقاولة المنتجة للثروة. فكلما ارتفع الضغط الجبائي على الفاعلين الاقتصاديين المهيكلين، عاد السؤال نفسه ليطرح بإلحاح أكبر “هل تتحول الجباية من أداة لتمويل التنمية إلى عامل يحد من شروط إنتاجها”؟.
ويبدو أن التقرير الأخير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يعيد وضع هذا السؤال في صلب النقاش العمومي، خصوصا وأن المفارقة بين طموح بناء “الدولة الاجتماعية” والسعي إلى جعل المغرب منصة استثمارية تنافسية باتت أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فتمويل العدالة الاجتماعية يظل رهانا وطنيا لا خلاف حول أهميته، غير أن المؤشرات الحالية تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الحكومة قد وجدت نفسها، من حيث لا تريد، أمام معادلة تجعل جزءا من كلفة هذا المشروع الاستراتيجي يتحمله الفاعل الاقتصادي المنتج للثروة إلى حدود قد تؤثر مستقبلا على قدرته على إنتاجها.







