لم أكن أعرف أن التنقل داخل مدينة تطوان في غاية الصعوبة. إذا جئتَ بالسيارة تصطدم بزحمة السير وإذا اخترت وسائل النقل العمومي تصادفك مشكلة عويصة في التحرك من مكان لآخر. عدد التاكسيات محدود جدا. نصف ساعة وأنا ألوّح للسيارات في شارع على أطراف المدينة، مثل أحمق. اكتشفت أن الفندق حيث أقيم لا يؤمّن خدمة الاتصال بالتاكسي رغم نجومه الأربعة. وجدت شرطي مرور وسألته: أين وسائل النقل في هذه المدينة؟ رد بأنها نادرة، خصوصا سيارات الأجرة الصغيرة. دردشنا قليلا وتوطدت علاقتنا حين اكتشفت أنه من الدار البيضاء ويوجد هنا في مهمة قصيرة بمناسبة الزيارة الملكية. تعب من الوقوف في “الرومبوان” نفسه منذ الصباح. اقترح أن يساعدني في إيقاف واحدة من سيارات الأجرة الكبيرة، التي تمر دون أن تحفل بيدي المرفوعة في الهواء. البدلة الرسمية تنفع، والشرطة هنا فعلا في خدمة الشعب… استطاع البوليسي أن يوقف سيارة أجرة كبيرة على متنها راكبتين. بدا السائق متوجسا. حين يوقفك شرطي مرور، تتوقع الأسوأ دائما، حتى لو كنت تقود سيارتك باحترام تامّ لقانون السير. انفرجت أساريره عندما فهم أن البوليسي لا يضمر له شرًا ، أوقفه فقط كي يأخذ راكبا إضافيا. صعدت وفهمت أن الراكبتين حجزتا التاكسي “كورسة”. لكنهما لم تعترضا على اقتحامي المفاجئ للعربة، مستعينا بالقوة العمومية. لطيفتان. فهمت من حديثهما أنهما تزوران تطوان بعد طول انقطاع. السائق بدا فرحا بما سيكسبه، وتحول بالمناسبة إلى دليل سياحي. يعرّفنا على أهمّ المعالم، يتحدث عن تطوان في أيام عزها، ويتأسف على الإهمال الذي يطاول بعض الأحياء. وصلنا إلى وسط المدنية. الناس يسهرون حتى ساعات متأخرة من الليل. يملأون الشوارع والمقاهي، وينصتون إلى عبد الصادق شقارة: “رد بالك هادي بلادك راك محسود عليها”… تنبعث الأغنية من مكبرات صوت وسط المدينة. لاحظت شيئا من الإحباط والمرارة على محيا السكان، مردهما على الأرجح إغلاق الحدود مع سبتة. جلست في مطعم معروف. النادل شاب على قدر بالغ من النباهة والطرافة. استفاض في الحديث عن التهميش الذي تعانيه المدينة، وعن ضعف السياحة الخارجية، وانتهازية المنتخبين، يردد ساخرا: “أغلقوا كل شيء وتركونا مشردين مع القطط والكلاب”…
فيما مضى كان التطوانيون يدخلون إلى الثغر المحتل بالبطاقة الوطنية فقط، ويرجعون محملين بالبضائع والسلع المهربة. كانت رئة حقيقية تتنفس منها المدينة. اليوم، يحتاج التطواني إلى الفيزا كي يدخل إلى سبتة، كأنه مسافر إلى أوروبا. وإذا دخل ليس من حقه أن يجلب معه حتى علبة “ماروخا”. انتهى زمن “الرخا والريباخا”. كثير من العائلات ممزقة بين تطوان وسبتة، لذلك يعيشون إغلاق الحدود بشكل سيء. تطوان تذكر بوجدة. الوجديون أيضا أصابهم إغلاق الحدود مع الجزائر في مقتل. المدينتان محافظتان. عاصمة الشرق لديها فريق كرة قدم اسمه “الاتحاد الإسلامي الوجدي”، والمرأة فيها شبه مقصية من الفضاءات العمومية. معظم نساء تطوان محجبات أو تضعن فولارات على الرؤوس والأكتاف. ذلك حقهن طبعا. في البحر، نادرا ما تجد أمرأة تسبح بالمايو، بل يرتدين أزياء فضفاضة وغريبة في غالب الأحيان، أهم شيء أن تغطي الجسد برمته. الشمال جميل، عموما، لكنه يحتاج الى جهد كبير كي يصبح قطبا سياحيا حقيقيا. زحمة السير لا تطاق، في تطوان ومارتيل وطنجة طبعا. البنايات شاهقة والطرق أنيقة والعمران مزدهر، لكن بعض الناس مازالوا يعيشون في عصور سحيقة، سلوكاتهم تدعو للأسف: يرمون قشور الدلاح على الشاطئ، يقطعون الطريق في الضوء الأحمر، يشغلون فيديوهات على هواتفهم بصوت مرتفع في الفضاءات العمومية… لكل ذلك يختار كثير من المغاربة قضاء عطلتهم في الضفة الأخرى، إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلا.







