في الذكرى الأربعينية لرحيل محمد بنسعيد آيت يدر اخترنا في “نيشان” أن نقدم مقتطفات هامة من مذكراته التي صدرت عن مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات تحت عنوان “هكذا تكلم محمد بنسعيد” والذي القيادي اليساري والكاتب عبد الرحمان زكري، باعتبار الأحداث الهامة التي عايشها الراحل بنسعيد الذي عاشر ثلاثة ملوك، وكان في قلب الأحداث اللاهبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته، لعب دورا أساسيا في خلايا المقاومة وجيش التحرير، انخرط في حزب الاستقلال باكرا، وكان من أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حكم عليه بالإعدام غيابيا وتعرض لأكثر من محاولة تصفية واغتيال، حتى تأسيسه لمنظمة 23 مارس وبعدها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وصولا إلى الحزب الاشتراكي الموحد.. في مذكرات نصادف أحداثا ووقائع مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر باستعادتها ومحاولة تجديد قراءتها فهم لواقعنا السياسي ولمسار أمة تطمح لحقها في الكرامة والتقدم والتنمية.
الحلقة الواحدة والعشرون:
حين هددني إدريس البصري متوعدا: “إذا لم تصوت على الدستور فرفاقك في الحزب سيفعلون”
عاشت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي محنة حقيقية بسبب موقفها من دستور 1996 كنا قد وقفنا أمام أنفسنا في امتحان حقيقي عسير، خرجنا منه مستفيدين من درس عظيم اسمه الديمقراطية، أقصد الديمقراطية الداخلية، في منظمة سياسية تسعى إلى الديمقراطية وتطالب بالديمقراطية في الدولة. كانت الأغلبية في اللجنة المركزية قد صوتت بمقاطعة الاستفتاء الدستوري. لكن هذا الموقف المنبثق من صلب ديمقراطيتنا الداخلية أغضب النظام بقوة مثلما أحرج وأزعج حلفاءنا في الكتلة الديمقراطية، التي قبلت بالصفقة المعروضة عليها من النظام، واختارت التصويت على دستور ممنوح. وكان من نتائج كل ذلك أن أعطيت التعليمات لإخراس صوتنا، فجرى إعدام جريدة “أنوال” بعد 17 سنة من الحضور الإعلامي القوي والفاعل.
ومرة أخرى سيرسل لي الحسن الثاني إدريس البصري، ليدعوني للتراجع عن موقفنا في المنظمة القاضي بالمقاطعة.
بدا وزير الداخلية ملحا وفي صوته نبرة تهديد، وكان علي أن أذكره بأنه مادام النظام يدعي بأنه ديمقراطي، فعليه أن يقبل بمن يعارضه ويختلف عن باقي أحزاب الطيف السياسي الأخرى في المسألة الدستورية، كما ذكرته بالمذكرة الدستورية التي تقدمنا بها للملك ولم يجبنا عنها نهائيا، وبينت له أن القرار ليس بيدي، فبالرغم من كوني الأمين العام للمنظمة، فأنا مجرد مناضل وسط عدد كبير من المناضلين، صوتوا بالأغلبية على المقاطعة.. وليس من حقي، مهما كان موقعي، أو موقفي الشخصي، أنا أن أفرض عليهم رأيي.
لم يتقبل البصري هذا المنطق الديمقراطي، لأنه لا يؤمن به أساسا، وصعد من نبرته التهديدية وهو يقول لي إننا إن لم نغير موقفنا ونصوت لصالح الدستور الممنوح، فسوف يفعل ذلك رفاقنا في الحزب.. كان جوابي واضحا: “هداك شغلهم… للي بغا يصوت الله يعاونو”.
وكان البصري قد اجتمع ب”رفاقي “هؤلاء كما قال، واتفق معهم، أو هم اتفقوا معه على كل شيء، قبل أن يأتي إلي محملّا برسالة الحسن الثاني…







