ضمن عشرات الروايات التي خطها نجيب محفوظ الذي رسخ فن الرواية كما هي متعارف عليه في الآداب العصرية، تعتبر روايته “أولاد حارتنا” تحفة فنية رائعة استحق عليها أول كاتب عربي جائزة نوبل للآداب عام 1988، تتكون الرواية من تقديم وخمس حكايات، ينفتح النص الروائي على قصة أدهم وما وقع في عزبة الجبلاوي، وانتهت بطرده من أرض الحارة، بعد أن أوقع به أخوه إدريس تحت غضب الجبلاوي، الذي يصوره محفوظ في صورة الأب المتسلط والطاغي، وكعادة نجيب محفوظ الذي يختار شخوصه ومواضيعه من الحارات الشعبية بمصر، خاصة القاهرة، انطلق من الدار الكبيرة التي يمتلكها الجبلاوي الذي يعتقد الأهالي أنه يتمتع بهبات مقدسة تمنحه الخلود الأبدي، من داخل البيت الكبير يقرر الجبلاوي الخلود للراحة وتسليم أبنائه زمام الإمارة، فينطلقون عبر فتواتهم لامتلاك الحارة.
فيما باقي الحكايات التي تبدو مواضيعها منفصلة، تدور حول شخوص مستلهمة من الحارة وهي رفاعة وقاسم وجبل… الذين واجهوا فتوّات الحارة وكانوا يوعون الناس أن الزعماء الأقوياء الذين يقصدونهم الناس لحل الخلافات، هم من يزرعونها للحفاظ على مصالحهم.
شنت حملة كبرى على رواية “أولاد حارتنا”، بل وصل الأمر حد أن أهدر دم نجيب محفوظ الذي كاد يذبح من طرف متطرف بسبب هذه الرواية التي خرجت من إطار الخيال وحوار التاريخ والذاكرة، والماضي والحاضر، إلى السياق السياسي مع صعود الإخوان المسلمين في مصر. فقد اعتبر “الفقهاء” الجبلاوي تمثيلا للذات الإلاهية، اعتمادا على تأويل العبارة التي وردت في رواية محفوظ: “هذا بيت جدنا، جميعنا أتينا من صلبه، عمره فوق ما يطمع أي إنسان أو يتصور، حتى ضرب المثل بطول عمره، وهو أصل حارتنا، وحارتنا أصل أم الدنيا مصر، أليس من المحزن أن يكون لنا جد مثل هذا الجد دون أن نراه أو يرانا”. واعتبر أن شخصية “جبل تحيل على النبي موسى الذي نزلت عليه الوصايا بجبل سيناء، ورفاعة ترميز لسيدنا عيسى باعتبار أنه رفع إلى السماء كما في النص القرآني…
عشرات الكتب ومئات المقالات التي عجت بها الجرائد والمكتبات لم تتناول “أولاد حارتنا” كنص روائي متخيل، وتعسفت في تأويل أبعاده الدينية عبر إسقاطات كانت تلوي عنق النص لتستجيب لأطاريح المحافظين. لكنهم كلهم ذابوا مثل فص ملح، واستمرت “أولاد حارتنا” التي طبعت عشرات المرات ودرُست في فصول جامعية في العالم العربي والغربي، وخلدت نجيب محفوظ بعد أن كان سيقتل بسببها.. هزمتك الفنون يا موت!
رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ التي منحته نوبل وكادت تقتله







