كانت هناك إشارات واضحة، بأنّ فرنسا في طريقها إلى الاعتراف بمغربيّة الصّحراء. لكنّ السّؤال المطروح: هو لماذا لم تلتقط الأحزاب المغربيّة تلك الإشارات؟ أين كان اليسار تحديدا إبّان الأزمة الدّيبلوماسيّة الصّامتة؟
عندما كان اليسار يسارا، استطاع السي عبد الرّحمان اليوسفي لوحده أن يسحب اعتراف أكثر من ثلاثين دولة بالجبهة الانفصاليّة. والكلّ يتذكّر الاستقبال المهيب الّذي حظي به فالهند. وحينما سار اليسار شيئا آخر، فقد خرج الحزب الاشتراكي الفرنسي ليقول للفرنسيّين أوّلا، ثم الأمميّة الاشتراكيّة ثانيّا “لقد اطلعنا كباقي الشعب الفرنسي على رسالة موجهة إلى الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتوليه العرش، والتي اتخذ فيها الرئيس الفرنسي قرار الاعتراف بالمخطط المغربي للصحراء الغربية”. ولو لعب اليسار دوره كما يجب لما كان ذاك البيان أصلا.
لست أدري كيف قرأ صاحب مقولة “نحن اليسار” البيان؟ ولا أعرف إن كان قد استحضر صورة كلّ من جلالة الملك، وفرونسوا هولاند، والسّي عبد الرحمان اليوسفي في القصر الملكي وهو يقرأ البيان. ولربّما كان وصف دريس البصري للسّي عبد الرّحمان اليوسفي بأنّه آخر الاشتراكيّين في المغرب، فيه الكثير من الصّدق. فالرّجل كان يمكن أن يعيش كما عاش ويعيش الكثيرين، مهتمّا بذاتيّته وصورته أكثر من الوطن. لكنّه فضّل أن يضع كلّ نضالاته ومصداقيّته السّيّاسيّة وطنيّا ودوليّا، مقابل الانتقال الدّيمقراطي، والوحدة التّرابيّة. أتساءل من هو الزّعيم اليساري اليوم الّذي يمكن أن يسحب اعتراف دولة واحدة بالانفصال؟ من هو الزّعيم اليساري اليوم الّذي يمكن أن تستقبله جنوب إفريقيا أو المكسيك أو الفيتنام أو الأوروغواي كما استقبلت الهند السي عبد الرّحمان اليوسفي وسحبت اعترافها بالكيّان الوهمي. لا يوجد بكلّ تأكيد. كما أنّه من سابع المستحيلات الوصول لنتائج ملموسة على المستوى الدّولي، ما لم تكن هناك مصداقيّة نضاليّة وسيّاسيّة على المستوى الوطني. ولا يمكن لمن ينتهك الدّيمقراطيّة في حدود “سلطته”، أن يدافع عن الاختيار الدّيمقراطي للدّولة في الخارج. صعب على من يترامى على المال العام بالتّدليس أن ينظّر في تخليق الحياة السّيّاسيّة. لا مقدرة لليسار الّذي يقمع مناضليه بالولاية الثّالثة (الاتّحاد الاشتراكي والتّقدّم والاشتراكيّة)، وديمقراطيّة “ميدفيد وبوتن” (الاشتراكي الموحّد)، أن يقنع الأحزاب الاشتراكيّة بجدّيّة الطّرح المغربي في الحكم الذّاتي بالأقاليم الجنوبيّة. الأمور مترابطة ولا يمكن الفصل بينهما.
ليست هناك اليوم ديبلوماسيّة موازيّة، بل ديبلوماسيّة سيّاحيّة. سيّاح يجوبون العالم بأموال دافعي الضّرائب، ويغرقون مواقع التّواصل الاجتماعي بصور تذكّرنا بمعارك دونكيشوط والطّواحين الهوائيّة. والغريب هو أنّك لن تجدهم سوى في الأماكن الّتي فيها ماء وخضرة وطبيعة، مع العلم أنّ المعركة الأساسيّة والمصيريّة تلعب في إفريقيا، تمهيدا لطرد الانفصال من الاتّحاد الافريقي. الصّراع الضّاري بيننا وبين الخصوم، هناك حيث الجوع والعطش والتّخلّف والانحيّاز ل “تقرير المصير”. لكن على ما يبدو أنّ هذه المناطق لا تستهو الدّيبلوماسيّة السّيّاحيّة، المعتادة على فنادق الخمس نجوم، و “الكورونا”، والصالصا والميرينغي. فإفريقيا قاحلة، وغارقة في المشاكل، لذا فإنّ بوّابتها هي المصداقيّة الوطنيّة، والتكامل الاقتصادي، وتلاقح المقاولات الصّغيرة والمتوسّطة، والبعثات الطّلّابيّة، والمنح الدّراسيّة، والتّطوّع في برامج قد تساهم في تحسين حياة البؤساء…
نجاح الدّيبلوماسيّة الموازيّة له محدّدات واضحة، ودونها لغو وعنتريّات لا طائل منها:
1- الاعتراف بالصّحراء كجزء لا يتجزّأ من التّراب المغربي.
2- سحب الاعتراف من الكيان الوهمي، ودعم جهود الأمم المتّحدة.
3- قطع الطّريق على الانفصال للوصول لأجهزة المنظّمات العالميّة.
من غير الممكن الوصول لنتائج ملموسة، ما لم تخرج قضيّة الوحدة التّرابيّة من خانة المزايدات السّيّاسيّة، والدّخول إلى رقعة التّكامل والتّعاون وتبادل المعطيّات بين الجميع من أجل الصّالح العام. المسألة أعقد من صور وهدايا ووسائل التّواصل الاجتماعي و”اللّايكات”. لذا فهي تحتاج إلى متابعة حثيثة لكلّ التّطوّرات، خصوصا أنّ رمال الصّحراء متحرّكة باستمرار، ومن سحب الاعتراف اليوم قد يعود إليه غدا. اليوم إسبانيا اشتراكيّة، وبعد غد قد تصبح يمينيّة مثلا.
قدر اليسار أن يكون في قلب معركة الوحدة التّرابيّة، لأنّ الدّول الّتي تعترف بالانفصال يساريّة في سوادها الأعظم (انظر الجدول). لذا فهو مطالب بأن يكون وفيّا لقيمه على المستوى الوطني، ليتمكّن من الدّفاع عن الوحدة التّرابيّة على المستوى الكوني. ويجب عليه أن يخلق لجان يقظة تتابع كلّ مستجدّات الانفصال، وتحرّكاته. من خلال تجنيد مناضلات ومناضلين تتوفّر فيهم الكفاءة، واتقان اللّغات الحيّة، والحسّ الدّيبلوماسي على مستوى التّراب الوطني. فالجهويّة المتقدّمة سلوك تنظيمي أيضا يجب أن يقطع مع إمّا الرّباط، أو مقبرة النّسيان للكثيرين. وأعتقد أنّه من الخيّانة العظمى أن تصبح قضيّة الوحدة التّرابيّة مطيّة للحصول على تأشيرة، وتذكرة، وفندق، وقليلا من “الدّوخة”، وكثيرا من “البلا بلا، اللّه يبعّد البلا”.
الدّبلوماسيّة السّيّاحيّة







