خلفت تدفقات المهاجرين الاستثنائية خلال الأيام الأخيرة بمدينة سبتة مآسي عديدة بسبب غرق عدد غير محدد من مرشحي الهجرة، جلهم قاصرون وتسجيل فقدان عدد آخر. كلهم ارتموا في البحر لبلوغ مدينة سبتة التي كانت تمثل لهم نقطة بداية لحياة جديدة يأملون فيها خيرا، ونقطة نهاية لحياة قديمة لا يأسفون عليها.
صحيفة “ABC” الإسبانية أجرت لقاءات مع مهاجرين نجحوا في بلوغ سبتة سباحة خلال موجة الهجرة التي سجلت خلال الأيام القليلة الماضية، خاصة بين الخميس 22 غشت والثلاثاء 27 من نفس الشهر.
الحل وراء البحر
هشام، هو ضحية لظروف اجتماعية قاسية، ولد في أكادير، فقد جزءًا من أسرته في زلزال العام الماضي الذي دمر مداشر كثيرة في جبال الأطلس المغربية.ثم توفي والده، رب الأسرة.
فجأة شعر بنفسه دون مستقبل، ولكونه أحس بالمسؤولية لدعم بقية أفراد العائلة، قرر هذا الصيف البحث عن “الحل” في أوروبا.
قبل أيام قليلة، ركب حافلة في مدينته ليقوم برحلة استمرت ما يقرب من عشر ساعات قادته إلى شمال المغرب.
بمجرد وصوله هناك، انتظر فترة الضباب الكثيف حين تكون رؤية رجال الأمن منعدمة، ثم اندفع مع موجة من المهاجرين وألقى بنفسه في البحر يوم الإثنين الماضي على الساعة الحادية عشرة ليلا في شاطئ الفنيدق.
«لقد قضيت ثماني ساعات في الماء مع الضباب، لم أكن خائفًا. كنت أفكر فقط في أنني عندما أصل سأحصل على حياة جديدة»، أوضح هشام أمس الأربعاء لصحيفة “ABC” أمام مركز الإيواء المؤقت للأجانب في سبتة.
أمام السياج، تحدث مع حراس الأمن، وكان هناك مجموعة من حوالي عشرين شخصًا. كلهم بالغون ويريدون أن يتم استقبالهم في هذا المركز، لكنه مكتظ.
وفقًا لمصادر من مندوبية الحكومة في سبتة، هناك 790 مهاجرًا مقيمون، في حين أن الطاقة الاستيعابية تتسع لـ512 فقط، لكن يتم توسيع الأماكن من خلال توفير مناطق إقامة كانت مخصصة لاستخدامات أخرى.
وهذه تشكل إحدى النقاط الحرجة في أزمة الهجرة، التي جعلت المدينة تعاني من اكتظاظ خطير، بينما كان رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، يقوم بجولة في إفريقيا مع تركيز جزء من اهتمامه على جزر الكناري.
اليوم في شاطئ تراخال، بعد الظهر، تسير الحياة بشكل طبيعي، لا توجد عمليات دخول ولا انتشار أمني لأن الضباب غائب وحالة الجو تسمح برؤية سواحل المغرب بسهولة.
لكن «إذا بدأ الضباب مع الرياح الشرقية، قد يحاولون الدخول مرة أخرى»، يقول أحد العمال في المنطقة.
لا أنسى صيحات الغرقى!
رضوان، هو أيضا دخل مساء الإثنين الماضي مع الضباب، هو من تطوان، يتذكر بألم صيحات الغرقى قائلا «الصيحات تأتي من الأطفال. هم من يغرقون. أثناء السباحة، كنا نعطي لأحدهم طوق نجاة ولآخر زعانف بلاستيكية. لا نريد أن يموتوا.. هنا، فيما بيننا، نعلم هذا الشهر أن هناك 60 غريقًا أو مفقودًا»، يشير الشاب المغربي البالغ من العمر 39 عامًا.
قصته فريدة.. رضوان كان قاصرًا غير مصحوب بذويه حين دخل سبتة أول مرة قبل سنوات طويلة بطريقة غير قانونية حيث تم استقباله قبل أن ينقل إلى مدريد ليتسنى له أن يدرس في معهد “روزاليا دي كاسترو” في ليغانيس.
عاش في مدريد لمدة عشر سنوات، لكن في عام 2012 فقد وظيفته بسبب الأزمة الاقتصادية، فقرر العودة إلى المغرب.
بعد اثني عشر عامًا، أصبح يعاني من هشاشة اجتماعية شديدة وعاد ليفكر في الهجرة من جديد، وقال لذات الصحيفة «تخاطر لأنك تحتاج إلى ضروريات العيش الكريم. عليك أن تفعل شيئًا لتبقى على قيد الحياة. لا يمكنك العيش بـ300 يورو في الشهر، كما هو الحال في تطوان». لهذا السبب ألقى بنفسه في الماء، لكنه لا يستطيع نسيان صراخ الغرقى.
«كنا نسمعهم يصرخون. يُسمع صراخهم قبل أن يغرقوا من الشاطئ. يصلون ويدخلون الماء عندما يكون هناك ضباب، لكنهم لا يعرفون كيف تتحرك التيارات البحرية. غالبًا ما يدخلون عندما تدفعهم الأمواج نحو الداخل. يجب الدخول عندما تأتي التيارات من الجنوب لتدفعك إلى سبتة. يأتي العديد منهم من أجزاء أخرى من المغرب، يرون الضباب، يدخلون الماء ويموتون. هناك عدد كبير جدًا من الموتى هذا الشهر»، يضيف رضوان.
نحن محظوظون..
أما كمال الذي جاء من بلدة صغيرة بالقرب من الدار البيضاء، فيقول “المجهود كان شاقا جدا، لقد سبحت حوالي ستة كيلومترات، ظللت في الماء لمدة تسع ساعات. لدي عائلة في مورسيا وآمل أن أجد عملاً كعامل لحام”.
دخل كمال في إحدى موجات المهاجرين لتجاوز السلطات المغربية، وأوضح «نحن مئات، يوقف الجيش المغربي حوالي 200 منهم، ثم يعترض الحرس المدني حوالي 150، لكن الـ20 أو 30 الذين وصلنا إلى هنا، نحن محظوظون فعلا. لقد تسللنا ونجونا».







