إلى أين نسير في هذا البلد؟..
نقول هذا لأن ما جرى في انتخابات دائرة المحيط بالرباط يشبه طرقًا قويًا في جدران الخزان، كما وقع لأبطال غسان كنفاني في رواية “رجال تحت الشمس” قبل أن يختنقوا جميعًا.
طرق يقول إن شرعية المؤسسات في هذا البلد السعيد صارت في مهب الريح…. واقع يبدو أن الدولة لا تنتبه له كثيرًا، إن لم نقل إنها تتجاهله، وتفضل في مُقابل ذلك أن تنشر تعزيزات أمنية ضخمة لتلاحق مجموعة صبية أعلنوا عن “عمل سري” عرفه العالم أجمع من خلال دعوة الهجرة الجماعية لسبتة المُحتلة.
ما حدث في انتخابات “دائرة الموت” هو جنازة حقيقية للسياسة، ورصاصة في رأس الديمقراطية، ومهزلة انطلقت تفاصليها مع فوز مرشح قام بـ”حملة صامتة” تكلمت فيها أشياء أخرى… مرشح شبح لم يره أي قاطن في الدائرة، ورغم ذلك فاز بنسبة تصويت هي عنوان فضيحة بـ”جلاجل”، إذ لم تتجاوز النسبة 6.5 في المائة في دائرة انتخابية توجد في قلب عاصمة المملكة.
نسبة تصويت كارثية، رغم أن السي أوزين الذي يمارس المعارضة نهارًا سمح لمستشاريه بدعم مرشح الأحرار ليلاً بمعية الاتحاد الدستوري والاستقلال والبام، وأحزاب أخرى حركت كل “شناقتها” وعلى رأسهم بائع “معجون” سابق من أجل أن تضع المقعد البرلماني فوق عمارية أخنوش لصالح مرشح يعلم الجميع سيرته التي قد تجعله يُلاقي نفس مصير سابقه.
من حق حزب أخنوش أن ينتشي باستعادة مقعدين برلمانيين فقدهما بكل من الرباط والفقيه بنصالح مهما كانت الوسيلة أو الثمن، فالرجل لا يهمه إن ضاعت مصالح البلاد والعباد، وهو في ذلك لا يختلف عن حزبه الذي يعتبر المغاربة “ناكري جميل” وقليلي التربية. والواقع أن من يجب أن يلام هو هذا الشعب الذي يتباكى في المقاهي والحانات والمساجد والأسواق، ومواقع التواصل الاجتماعي على الغلاء وقلة الصحة وبؤس التعليم، ويذهب للتصويت على “جلاده” مقابل 200 درهم، علمًا أن ثمن الصوت في دائرة الموت ارتفع إلى 500 درهم.
مستشار جماعي سابق قال إن ما حدث هو مهزلة بجميع المقاييس، ونجاح بطعم الهزيمة قاسية في الانتخابات الجزئية بدائرة الموت الرباط المحيط. “أكثر من 45 مستشارًا جماعيًا وعدد لا يستهان به من نواب الرئيس، سواء المجلس الجماعي أو مجالس المقاطعات، وثلاثة رؤساء مقاطعات، و4 نواب برلمانيين، ووزير في حكومة، ومناضلي 6 أحزاب سياسية، ومنسق جهوي للحزب الحاكم، ومنسقين إقليميين لأحزاب سياسية، وأزيد من 500 سمسار انتخابي (جواكر)، والنتيجة 4685 صوتًا.”
نسبة التصويت، فضلاً عن كونها فضيحة لأحزاب الأغلبية، هي مؤشر قد يعيد للواجهة إمكانية فرض إلزامية التصويت على المغاربة في الانتخابات المقبلة. بل يبدو أن الدولة لم تعد تملك خيارًا آخر سوى جر المواطنين نحو مكاتب الاقتراع، لتفادي نسب عزوف ستكون دون شك جد كارثية، أخذًا بعين الاعتبار المناخ السياسي والاجتماعي السائد، ونسبة المشاركة المسجلة في الانتخابات السابقة.
واضح إذن أن التخوف من لجوء المغاربة إلى إشهار سلاح المقاطعة من جديد في وجه الانتخابات سيتحكم في الحديث عن فرض الإلزامية التي تطبقها عدد من الدول، رغم إقرارها بأن ذلك يعد “انتهاكًا بسيطًا”، ينزع من المواطن حق التصويت، ويحوله إلى واجب.
دعونا لا ننسى دلالة الأصوات الملغاة، وبالتالي فإن فرض الإلزامية، وفي حال تطبيقه، سيكون إقرارًا ممن يتحكمون في صنع القرار بأن منسوب الوعي الجماعي للمغاربة ارتفع، وصاروا يدركون جيدًا أن الانتخابات لم تعد تفرز مؤسسات تعبر عن إرادتهم، أو تملك القدرة على صنع الفرق، والفارق، بل فقط تزيد في تكريس الوضع الحالي المتسم بارتفاع منسوب السخط الاجتماعي، وتسيُد الفساد السياسي والاقتصادي.
فرض الإلزامية سيكون أيضًا محاولة للحفاظ على ما تبقى من مشروعية سياسية لعدد من المؤسسات، بعد أن تعامت الأحزاب عن نسبة المشاركة التي “طاحت” إلى الحضيض، وهرولت لتقاسم المناصب خلال الانتخابات السابقة، بدعوى أن الخطر سيكون قائمًا لو هوت النسبة إلى ما دون ذلك؟
نعم، سيكون فرض الإلزامية مستساغًا، لو قدمنا للمغاربة عرضًا سياسيًا جديدًا من أحزاب ووجوه لها مصداقية، أو بعثنا بإشارات حقيقية وفعّالة عن قرب حدوث تغيير، أو نجحنا، ولو نسبيًا، في بسط أجوبة واضحة وصريحة على الانتظارات الكبرى للشارع. أما عدا ذلك، فستصبح الصناديق مجرد مناسبة “رسمية”، وإجراءً شكليًا، يعيد تمديد تاريخ صلاحية حكومات، وأحزاب، ونقابات، فرطت في ثقة المغاربة، ولم تعد تملك من قرارها شيئًا، بل صارت تتدافع فقط لركوب عربة السلطة، بعد أن قبلت بشروط اللعبة، واستسلمت طوعًا لمنطق الإملاءات والتعليمات.
الشارع ينتظر وجوهًا جديدة عوض تزكية “تجمع” من “الأشرار”، كما ينتظر عرضًا سياسيًا مقنعًا يمكن أن ينقذ الانتخابات من عزوف تاريخي قد يزيد من تآكل شرعية المؤسسات، ويزيد من مساحة الشك في مستقبل البلد… لكن اليوم، و مع انتصاف ولاية الحكومة، نعاين أن الجميع مشغول حد الهوس باستقطاب أرانب السباق و”الشناقة” والأعيان و”الحياحة” و”أصحاب الشكارة” الذين يشكلون أساس أي مشروع انتخابي، مع استثناءات قليلة.
هؤلاء هم من يضمن الحصول على المقاعد وتولي المسؤوليات وتعبيد الطريق نحو الحكومة، وليس البرامج أو العروض التي تُعد بحس وطني، والتي لا تملك الأحزاب وجهًا ولا قدرة لتقديمها للرأي العام…
المغاربة صاروا مقتنعين اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن صناديق الانتخابات تُنتج فقط ضجيجًا للاستهلاك وكثيرًا من نفايات الورق، وفي النهاية كائنات تغير جلدها بمجرد توليها للمناصب والمسؤوليات، وهو ما ينبئ بنسبة عزوف ستؤكد حقيقتنا كدولة “فيترينات”؟..







