منذ نشأته، ارتبط حزب الاستقلال بثلاثة مستويات مهمة للممارسة السياسية، وهي التي أطرت مسيرته إلى حد الآن وجعلت منه مدرسة ملهمة، لم تتعرض للتجريف والتسفيه الذي حدث لتنظيمات سياسية أخرى.
وبإيجاز يمكن القول أن المستوى الأول يرتبط بمسألة المساهمة في تحرير البلاد من الاستعمار، والعمل على تثبيت الهوية المغربية والوحدة والاستقرار. المستوى الثاني من الممارسة، يتعلق بالاهتمام بالفكر والمعرفة والعلم والفقه، وجعل رجل السياسة الاستقلالي متميزا في الفضاء العمومي، رجل يمارس السياسة بكثير من الذكاء المعرفي. ذلك لأن التكوين المعرفي على يد الرواد وإنتاجاتهم، ساهم بشكل ملحوظ في الرفع من قدرات الفهم والتفكير لديه، وفي رقي السلوك الشخصي، والقضاء على الأنانية في التدافع نحو المواقع داخل الدولة بنسبة كبيرة. المستوى الثالث هو نتاج لما أتاحته المستويات السابقة، وهو ما عمل تنظيم علال الفاسي على زرعه في المزاج العام من مفاهيم عقلانية سياسية واقعية معتدلة، في بناء مقترحاته ومشاريع أفكاره الموجهة لتدبير قطاعات الدولة، بل والموجهة أيضا نحو مركز الدولة في كيفية إدارة مؤسساتها بدون صدامات أو صراعات قاتلة.
غير أن الذي حدث اليوم، أن حزب العلماء والفقهاء والمثقفين الأفذاذ صار يضم بعض “الخبزيين” الكبار، الذين لم يعودوا يقنعون بما أوتوا من خبز يكفيهم كل حياتهم، فانطلقوا يريدون حيازة “المخبزة” كلها، بل وحتى مصدر دقيق الخبز هذا، فتحولت نظرتهم إلى الحزب خبزا سخيا، الموت دونه شرف عظيم!
هذا ما يعاينه الاستقلاليون اليوم، في صراع حول ترسيم وتسمية أعضاء اللجنة التنفيذية، المزمع عرضها يوم غد السبت 5 أكتوبر، إذ وجد بالصدفة “المصطنعة” بين معشر الاستقلاليين من يربط موقعه الشخصي بموقع الحزب ككل في حكومة المملكة المغربية، المقبلة على مشاريع عالمية، والتي تسير على حافة مخاطر بمثابة قنابل، أي خطأ في المشي قد يكون ثمنها باهظا.
ومع ذلك؛ فإن كل هذه المخاطر المحدقة بالدولة وبالشباب الذي فقد جزءا كبيرا منه الثقة في ممتهني السياسة، لا تهم هؤلاء “الزعماء الكرتونيون” اليوم، ما يهمهم هو الكرسي داخل مؤسسات الدولة، أو “ترياب الحفلة”، وهي نفس أجندة حميد شباط سابقا، غير أن الله خيب مسعاه.
وعلى ما يبدو، وبحسب ما يروج في دهاليز الحزب، فإن النعم ميارة وبعض أتباعه الذين يدعون أنهم أسسوا تيارا داخل التنظيم (وعندما نسمع مصطلح تيار، فإننا نعتقد أننا أمام تيار سياسي داخلي مؤسس على فكر وعلى نظر علمي كقوة اقتراحية مفيدة) يسيرون لنسف محطة المجلس الوطني من منطق أنا وبعدي الطوفان.
غير أن الكارثة العظمى، هي أنه تيار من أجل عصبية فئوية، تدافع عن أفرادها وتسهل لهم الزحف نحو المناصب. ومن باب التخمين بناء على معطيات من هنا وهناك، فإنه من المحتمل أن النعم ميارة له هدف واحد، إما أن يظل على رأس مجلس المستشارين إلى سنة 2027 بدعم صريح من نزار بركة، رغم كل الأخطاء التي ارتكبها خلال الثلاث سنوات الماضية، ورغم كل ما قيل إعلاميا عن فضائح تدبيرية وديبلوماسية وقع فيها، أو الفوضى في المجلس الوطني ليوم غد، ومنع تسمية أعضاء اللجنة التنفيذية.
هذا المخطط، حسب العارفين بدهاليز الحزب، يهدف إلى إرباك الحزب بغية تعطيل عمل مؤسساته وأهمها المجلس الوطني واللجنة التنفيذية، ومن ثم فقدان المصداقية داخل التحالف الحكومي، وبذلك سيكون الخروج من الحكومة أحد الأهداف الجهنمية لهذا المسعى.
وببساطة؛ فإن التعديل الحكومي المنتظر مرتبط باستكمال هيكلة مؤسسات الحزب، وإذا لم تتم عملية الهيكلة هاته فإنها تصبح خللا يعطل مفاوضات إعادة ترتيب الحكومة بشكل واضح، وبالتالي تضييع زمن المغرب والمغاربة بسبب عناد شخصي في تنظيم سياسي، مما قد يفضي إلى استبدال حزب الاستقلال بحزب آخر لأن قيادة التحالف الحكومي لن تنتظر مزيدا من الوقت.
ولنكن واضحين وصرحاء مع ذواتنا أو مع ذاتنا الجماعية، السياسة في المغرب لا تصنع بشكل منفرد لهذا الشخص أو ذاك، ولا تتقدم الشخصيات إلى المناصب السياسية الكبرى بشكل إرادي دون تشاور أو تشارك. فهذه من خصائص النظام السياسي المغربي ككل، وهي ميزة حسنة أن تكون هناك رقابة على التنخيب السياسي في المهام السامية، وإلا لوجدنا حول مواقع كبرى مزادات سرية بمقابل كبير!
المناسبة هي أن منصب رئيس مؤسسة دستورية كبرى وإن كانت منتخبة تمثيلية، إلا أنها خاضعة أيضا لحسابات أخرى ولسلطات أكبر تمثل الأمة ككل، وأن قرار تثبيت أو إعفاء النعم ميارة في منصبه ليس خاضعا فقط لمزاجه الشخصي أو لمزاج التحالف الحكومي، وإنما هناك أيضا تقديرات مفيدة للسلطات العليا، ولا عيب في ذلك عندما نكون منسجمين مع أنفسنا في فكرة أن إدارة الدولة غير مرتبطة بتقدير هذا أو ذاك، وإنما بما هو أكبر وأعمق حرصا على مصالح البلاد ككل، ولا يمكن لأي كان أن يبتز الدولة أو يقايضها، مهما كان الموقع أو الموضوع الذي يبتزها به، لأن العواقب حينها ستكون حد وخيمة.
لذلك يعي الاستقلاليون هذه المسألة تمام الوعي، ويدركون أنه لا يمكن أن يتم اختطاف الحزب من قبل فئة “الخبزيون” أو “الخبازون الكبار”، بدون أي اعتبار لآراء استقلاليي الهوامش والمدن والقرى، الذي يشكلون أيضا قوة قد تفاجئ الجميع برفض سيطرة نخبة مركزية.
وبذلك فإن استقلاليي المجلس الوطني واستقلاليي المغرب ككل يراقبون الصراعات ويفهمونها. هؤلاء الاستقلاليون كحراس للتنظيم، لا يمكنهم التفريط في تاريخ عريق وفي إرث عظيم بناه الرواد بدمائهم وأفكارهم.
وحسب ما يروج من نقاشات داخل أوساط الاستقلاليين، فإنهم لن يسمحوا لعصبة هشة ضعيفة أن تلعب بمصير الحزب، وتقايض به المناصب أو الإخراج من الحكومة، لأنه إذا حدث ووصلوا إلى مبتغاهم، فإن ذلك سيكون مهزلة تاريخية، وسيكون من الأفضل حل الحزب أو هجرانه، بعدما سيطر عليه قاصرون في النظر الذين لا تهمهم سوى مصالحهم الشخصية.
لذلك، فإن الإستقلاليين أمام محطة صعبة جدا، تمثل تحديا حقيقيا، فإما أن يعودوا بالحزب سالما من “أفران الخبزيين الكبار”، وإما أن يصلوا عليه صلاة الجنازة وينسوا جزءا من تاريخ المغرب وتحريره، فإكرام الميت دفنه!







