لم يجد الإغريق طريقة لتمجيد الملك “ثيسيوس”، سوى تخليد سفينته. وقد ظلّ هذا الإجراء شاهدا على دحره ل “المينوتور المخيف” ردحا من الزّمن. لكن مع مرور الوقت، بدأت السّفينة في التّآكل، ممّا اضطرّ القيّمين على المشروع، إلى تعويض القطع التّالفة بأخرى جديدة. وقد استمرّت العملّية إلى أن تمّ تجديد السّفينة بالكامل. حينها طُرح السّؤال: هل مازالت سفينة “ثيسيوس” موجودة؟ أم أنّ ما يراه النّاس سفينة جديدة لا علاقة لها بمعارك الماضي؟
جريا على الأسطورة اليونانيّة، أتساءل عمّا إذا كانت سفينة الاتّحاد الاشتراكي الّتي انطلقت من الدّار البيضاء في 12 يناير 1975، هي ذاتها الّتي رست على شاطئ التّناوب في 14 مارس 1998؟ هل هي عينها الواقفة على أعتاب الاستوزار اليوم؟ لست أوّل من يتساءل، ولن أكون الآخر. ومن قرأ “امرأة النّسيان” قد يتجرّع معي مرارة الأسئلة وحرقتها…تخيّل أن يتساءل مثقّف اتّحاديّ من طينة الدكتور محمّد برّادة عن الاتّحاد والاتّحاديين…”أنا منهم رغم ما قد أشعر به من تباعد…هل حقّا أنا أعرفهم…أعرفهم أم لا أعرفهم؟”.
كانت دفّة السّفينة “السّي عبد الرّحيم”، فصارت “دريس لشكر”…كانت أشرعتها صحافة ذائعة الصّيت، وتأكل من أقلامها، فأصبحت تعيش على إعانات الدّولة، ولا يلتفت إلى ما يكتب على صفحاتها حتّى الاتّحاديّون…كانت مقاذفها طبقة متوسّطة وقوّات شعبيّة، فأضحت أعيانا ومالا…كانت مراسيها فلاسفة وعلماء اجتماع واقتصاد وأدباء وشعراء، ينتجون خير الحلول للوطن، فأمست دون مراسي تتقاذفها أمواج مكاتب الدّراسات…كان مرفأها “مغرب ديمقراطي عادل لكلّ المغاربة”، فتحوّل إلى “استوزار وتزكيّات ومآرب أخرى”…
من السّهل رفع شعار “الاتّحاد لا يموت”، لكن من الصّعب مواجهة حقيقة “كيف يعيش اتّحاد اليوم”؟ ما هي مواقفه السّيّاسيّة من القضايا الحارقة (التعليم، الصّحة، السّكن، حريّة التعبير، الحركات الاحتجاجيّة؟ ما مدى انتشار صحافته وقوّة خطابها؟ هل مازالت له القدرة على استقطاب المثقّفين، والطّبقة الوسطى؟ إلى أيّ حدّ يمكن الاعتماد عليه في الدّيبلوماسيّة الموازيّة بشكل جدّي؟
إنّ قدر الاتّحاد الاشتراكي، هو أن يبصم على تواجده من خلال معاركه ومواقفه، لا صيغته القانونيّة. فهذا المحدّد قد يجعل حتّى الاتّحاد الوطني للقوّات الشّعبيّة موجودا. قدر الاتحاد الاشتراكي أن يخلّد وجوده بالتّضحيّات من أجل مغرب ديمقراطي لكلّ المغاربة، لا أن يصبح حديقة خلفيّة للأحزاب الإداريّة. قدره أن يكون كبيرا كبر الفكرة الاتّحاديّة الّتي كان لها نصيب الأسد من الانصاف والمصالحة، لا أن يصبح مسخا تلوكه الألسن في الحانات والصّالونات. لو لم يكن الاتّحاد كبيرا لما لجأ إليه الحسن الثّاني رحمه الله ليكون ذرعا وطنيّا ضدّ “السّكتة القلبيّة”، ومؤتمنا على استمراريّة المؤسّسات. لكن عندما صار صغيرا نبذته حتّى الأحزاب الإداريّة.
الاتّحاد سفينة كما سفينة “ثيسيوس” وظيفتها الطّبيعيّة هي أن تبحر بالقوّات الشّعبيّة نحو مغرب أفضل، وتجابه أمواج “جيوب المقاومة” العاتيّة بصدر عار. لا أن تتحوّل إلى قرصنة المال العام، وتزكيّة الفساد. مطلوب من الاتحاد الاشتراكي اليوم، أن يضع بصمته لإصلاح أعطاب مدخلات العمل السّيّاسي برمّته في المغرب، لأنّ المخرجات الّتي نراها اليوم تنذر بالخراب غدا. بالأمس اعتمدت علينا الملكيّة حين ساءت الأوضاع، فعلى من ستعتمد غدا إذا صرنا جزء من المشكلة؟
الاتحاد الاشتراكي.. سفينة ثيسيوس







