التساهل مع بعض الممارسات والسلوكيات التي تنهل من الفوضى، وتنطوي على خرق للقانون، وابتزاز صريح للمواطن، يجعلها مع مرور الوقت حقًا مكتسبًا لا تنازل عنه. وهو ما أصبحنا نعاينه في طرق وشوارع هذا البلد، التي تقاسمها الآلاف من أصحاب “الجيلي” وصافرات الأطفال، ليفرضوا إتاواتهم عنوة على المغاربة.
من فوّت لهؤلاء حق استغلال الطرق والشوارع والمساحات الفارغة التي يجتهدون في الزحف عليها واحتلالها، وكيف تستمر السلطات في الصمت على مثل هذه السلوكيات التي أصبحت عبارة عن “كريساج” علني يقع ضحيته ملايين المغاربة، ممن أصبحت ميزانيتهم الشهرية تضم بابًا مخصصًا لأصحاب “الجيلي” العجيب، الذين يحاصرونك في كل شبر، بعد أن وجدوا في هذه الحرفة دجاجة تبيض ذهبًا، ولا تتطلب سوى “جيلي” صيني الصنع، لا يتعدى ثمنه خمسة دراهم كاستثمار.
لقد انفلت الأمر من تعاطف قديم مع بعض الحالات الإنسانية أو تعامل مع حراس يحملون رخصًا صادرة عن البلديات إلى احتلال شامل لجميع الشوارع من طرف عينة باتت تفرض تسعيرتها وسطوتها على المواطن، وتجبرك على الدفع تحت التهديد أحيانًا، وأحيانًا كثيرة لا تتردد في السب والشتم، أو إرغام أصحاب السيارات على المغادرة أو خوض عراك مع عصابات تفرض نفوذها على عدد من النقاط المهمة، خاصة بالشواطئ وبعض المدن ذات الجذب السياحي، والتي تصل فيها تسعيرة الوقوف إلى 20 درهمًا بالتمام والكمال.
لا يمكن فهم صمت المجالس المنتخبة ومعه تعامي السلطات المحلية عن هذه الظاهرة إلا بكونها راحة من وجع دماغ جيش من المعدمين والعاطلين أو الكسالى وأصحاب السوابق ومدمني المخدرات الذين يبحثون عن ربح سريع وسهل، ولو كان عبر ابتزاز المغاربة، ما جعل طرقات أجمل بلد في العالم موزعة بين جيش من المتسولين وبائعي المناديل الورقية وأصحاب “الجيلي” العجيب.
لقد سبق للجامعة المغربية لحماية المستهلك أن انتقدت صمت الحكومة، وتنصلها من مسؤوليتها في التصدي للفوضى التي تعرفها شوارع المدن، معبرة عن قلقها من الممارسات التي يتعرض لها أصحاب السيارات من طرف “الصدريات الصفراء”.
وقالت الجامعة إنه في الوقت الذي تتصارع فيه الأحزاب على المناصب في الجماعات الترابية وغرفتي البرلمان والمؤسسات، يبقى الناخب في مواجهة “بطش وابتزاز واعتداء حراس السيارات”.
وطالبت الجامعة السلطات المختصة، خاصة وزارة الداخلية، بتوقيف أي مشروع كراء لاستغلال الأزقة والشوارع، ووضع حل لاستغلال المستهلك من طرف أصحاب “الجيلي صفر”، مشيرة إلى أنه “ورغم الحملة الوطنية ضد هذه التصرفات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن السلطات المعنية لم تحرك ساكنًا”.
الرد كان بلغة الخشب، بعد أن رمت الداخلية بالكرة في ملعب الجماعات المحلية، وقالت إن تنظيم وتدبير مرافق العربات بالطرق والساحات العمومية هو اختصاص مخول لرؤساء المجالس الجماعية فيما يرى هؤلاء أن مسؤولية تطهير الشوراع هي من صلاحيات السلطة… وبين هذا وذاك تحولت شوارع المملكة لوزيعة.







