لا يخفى على كل متتبعي الشأن السياسي الإقليمي بين ضفتي غرب المتوسط أن إسبانيا تنظر بترقب واهتمام كبيرين لعودة الدفئ إلى العلاقات الفرنسية المغربية، خاصة بعد الاعتراف التاريخي للدولة الفرنسية بالسيادة الكاملة والتامة للمغرب على أقاليمه الصحراوية، وهو اعتراف تجاوز في شكله ومضمونه الاعتراف الإسباني.
الإسبان ينظرون إلى الفرنسيين كمنافسين أقوياء لكسب صفقات اقتصادية مهمة في السوق المغربية الواعدة بحكم سير المغرب على عجلة تنمية سريعة تسيل لعاب الشركات الفرنسية والإسبانية وغيرها، ما يجعلها تتسابق لنيل حظها من الكعكة المغربية.
وزيارة الرئيس ماكرون إلى المغرب تأتي في هذا السياق حيث يتضح من حجم وقيمة الوفد الرسمي المرافق للرئيس الفرنسي النوايا الاقتصادية الكبرى والأهداف الموضوعة لهذه الزيارة التي يتعامل معها المغرب من جهته بمنطق رابح / رابح.
في هذا الإطار نشرت صحيفة “إل باييس” الإسبانية تقريرا عن زيارة ماكرون للمغرب، سياقاتها، محطاتها، والغايات التي تبتغيها فرنسا منها.
وتقول “إل باييس” إن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يعود لزيارة المغرب بعد ست سنوات من تدشينه مع الملك محمد السادس أول خط للسكك الحديدية عالية السرعة في إفريقيا، حيث تسير القطارات الفرنسية الصنع.
من المتوقع أن يتم استقبال ماكرون اليوم الاثنين في القصر الملكي بالرباط من قبل العاهل المغربي، حيث سيحضران لاحقاً مراسم توقيع عدة اتفاقيات ثنائية.
يأتي ماكرون بصحبة تسعة وزراء من حكومته، بينهم وزيري الدفاع والداخلية، ونحو خمسين من كبار رجال الأعمال الفرنسيين، بعد ثلاثة أشهر من إعلانه في رسالة للملك محمد السادس أن خطة الحكم الذاتي التي يدافع عنها المغرب هي “الحل الوحيد” للنزاع حول الصحراء، والذي لا يتصوره سوى “في إطار السيادة المغربية”.
لتأكيد المصالحة مع المغرب بعد ثلاث سنوات من الأزمة الدبلوماسية العميقة، ذهبت فرنسا أبعد من إسبانيا في تبنيها للرؤية المغربية – التي تم اعتبارها في عام 2022 كـ”الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع – واقتربت تقريباً من موقف الولايات المتحدة التي اعترفت في 2020 بسيادة المغرب على الصحراء.
تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها ماكرون، والتي ستستمر ثلاثة أيام، حسب تقرير “إل باييس”، لإنهاء حالة التباعد بين فرنسا والمغرب، المستعمرة السابقة، التي تعتبر فرنسا أكبر مستثمر فيها وثاني شريك تجاري لها بعد إسبانيا، بعدما ضاعفت حجم التبادلات التجارية في العقد الأخير.
وكانت باريس قد قررت في 2021 خفض عدد التأشيرات الممنوحة للمغاربة إلى النصف، كرد فعل على رفض الرباط قبول إعادة المهاجرين غير النظاميين المُرحّلين، مما أدى إلى توتر العلاقات الدبلوماسية.
وفي العام التالي، زادت زيارة الرئيس الفرنسي الرسمية إلى الجزائر، الخصم الإقليمي للمغرب، من تفاقم الخلافات.
كما أن الشكوك حول تعرض هاتف ماكرون للتجسس المغربي باستخدام برنامج بيغاسوس الإسرائيلي الصنع، سممت العلاقات التي كانت توصف بأنها تاريخية.
وعندما أعلنت الحكومة الفرنسية قبل عام إرسال مساعدات إنسانية لضحايا الزلزال الذي ضرب الأطلس، تجاهلت السلطات المغربية العرض، في حين قبلت فرق الإنقاذ الإسبانية.
مونديال 2030
ساهمت المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة في تسريع عملية المصالحة وصولاً إلى زيارة ماكرون الرسمية الحالية، وفق “إل باييس” دائما.
وتعرض فرنسا تقديم دعمها للمغرب بخبرتها المكتسبة خلال أولمبياد باريس الأخير في المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية لكأس العالم لكرة القدم 2030، الذي يشارك المغرب في تنظيمه مع إسبانيا والبرتغال.
يرافق ماكرون عدد من رجال الأعمال الفرنسيين، من بينهم مدير شركة “ألستوم” المصنعة للقطارات، والتي تتطلع لتجديد وجودها في خط السرعة الفائقة الجديد الذي يربط بين القنيطرة ومراكش، والذي يبلغ طوله 450 كيلومتراً ومن المقرر افتتاحه في 2030.
كما يعمل المغرب على برنامج تحديث سككه الحديدية عبر شراء 168 قطاراً، 18 منها ستكون عالية السرعة، بميزانية تزيد على 14 مليار يورو، وقد تقدمت للمناقصات أيضاً شركات إسبانية مثل تالغو و”CAF”.
كما يرافق الرئيس المدراء التنفيذيين لعدة شركات صناعية وخدماتية فرنسية ذات حضور في الاقتصاد المغربي، مثل إيرباص، وتوتال إنرجي، وفوليا وسويز.
وأفادت مصادر من الرئاسة الفرنسية للصحافة أن “فرنسا ستؤكد التزامها بالقضية الأساسية (قضية الصحراء المغربية) لأمن المغرب القومي”. ومن المتوقع أن يلقي ماكرون خطاباً يوم غد الثلاثاء أمام البرلمان في الرباط.
وبخطوة غير سياسية سبقت بها الدبلوماسية الفرنسية، يُتوقع أن تساهم الشركات الفرنسية في التنمية الاقتصادية للصحراء، كما يتم التحضير لعقود، لأول مرة، باستثمارات مباشرة ومن المتوقع وجود موظفين فرنسيين هناك، مثل “الطريق السريع الكهربائي” الذي يربط الأقاليم الصحراوية المغربية بالشبكة الوطنية.
الاتصالات الوزارية
فيما يحضر ماكرون مأدبة عشاء رسمية يترأسها الملك محمد السادس، ويلتقي مع أعضاء من الجالية الفرنسية في المغرب، والتي تقدر بـ 50 ألف مقيم ونحو ألف شركة، سيجري وزراؤه محادثات قطاعية.
وتذكر الصحافة الفرنسية أن المحادثات قد تشمل مبيعات الأسلحة للقوات المسلحة المغربية، وتنظيم “التنقل القانوني” للعمال والسيطرة على الضغط الهجري؛ والتدابير لمواجهة الجفاف في الزراعة، وتعزيز تعليم اللغة الفرنسية، الذي تراجع بين الأجيال الشابة التي فضلت الإنجليزية كلغة أساسية، رغم أن المغرب لا يزال رابع دولة فرانكوفونية من حيث عدد الناطقين بالفرنسية، ويصل عددهم إلى 13 مليون نسمة.
وبعد طي صفحة الخلافات، وهدية شهر يوليوز الماضي بالاعتراف بموقف المغرب من الصحراء خلال عيد العرش الذي احتفل فيه الملك محمد السادس بالذكرى الـ 25 لاعتلائه العرش، يأتي ماكرون إلى الرباط لإثبات الثقل الكبير لفرنسا في المغرب.
ولهذا ذكّر الملك في رسالته قبل ثلاثة أشهر بـ “الموقف الفرنسي الدائم الداعم للأمن الوطني المغربي (…) في الساحة الدولية”، في إشارة واضحة إلى مكانة فرنسا كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي ودولة محورية في الاتحاد الأوروبي.







