قدم وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، أمس الثلاثاء، عرضاً أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، خُصص لتقديم مشروع الميزانية الفرعية للوزارة برسم سنة 2025.
استعرض التهراوي خلال عرضه أهم منجزات الوزارة على مدى العامين الماضيين ومخططاتها للعام المقبل، مسلطا الضوء على تطلعات الوزارة لاستكمال مشروع الحماية الاجتماعية وتعزيز التغطية الصحية وتطوير البنية التحتية والتشريعات القانونية في القطاع الصحي.
ورغم ان العرض الذي قدمه الوزير القادم من عالم المال والاعمال، يبدو على الورق شاملا وطموحا وموجها نحو تعزيز التغطية الصحية وتحديث المنظومة الصحية الوطنية، الا ان هناك علامات استفهام كبيرة تدور حول قابلية تحقيق هذه الأهداف على أرض الواقع.
في هذا السياق، اعتبرت مصادر مهنية تحدثت ل “نيشان” أن الأرقام التي استعرضها الوزير بخصوص توسيع نطاق التغطية الصحية، والتي تشير إلى استفادة أكثر من 11 مليون مواطن من التأمين الإجباري عن المرض، ليست بالضرورة كافية لتعكس واقع الخدمات الصحية المتاحة على الأرض.
وأفادت نفس المصادر أن هناك تفاوتا ملحوظا في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين في المناطق النائية، حيث تظل الخدمة الطبية في تلك المناطق محدودة، رغم اتساع نطاق التغطية الصحية.
وفيما يخص الجهود المبذولة لتحسين حكامة القطاع، تضمن العرض إجراءات إصلاحية تشمل إنشاء مجموعات صحية ترابية وتطوير الموارد البشرية. إلا أن مصادر نقابية اعتبرت أن هذه الإجراءات لا تواكبها حلول عملية تضمن بقاء الأطر الصحية في البلاد، مشيرة إلى أن هجرة الكفاءات في المجال الطبي بما يشمل الأطباء والممرضين، لا يزال يشكل عائقا كبيراً، في ظل نقص التحفيزات الكافية التي تشجعهم على البقاء.
كما أن الإصلاحات القانونية التي تم تقديمها، مثل إصدار قوانين جديدة لإحداث مؤسسات صحية مستقلة كوكالة الدم ومشتقاته، والوكالة المغربية للأدوية، ورغم ترحيب المهنيين بها، بوصفها خطوة مهمة نحو تطوير المنظومة الصحية. الا ان البعض يحذر من أن تظل هذه القوانين حبيسة الملفات والرفوف إذا لم يتم تفعيلها بجدية، خاصة في ظل ما يعانيه القطاع الصحي من تعقيدات بيروقراطية ومشاكل متراكمة تؤثر على فعالية الإصلاحات الجديدة.
من جهة أخرى شمل مشروع الميزانية الفرعية للوزارة للسنة المقبلة خطة لتطوير العرض الصحي، من خلال مواصلة بناء مستشفيات جامعية وإقليمية في مدن مختلفة كمدن العيون وكلميم والراشيدية وبني ملال، لتعزيز البنية التحتية الصحية.
ومن المتوقع أن تضيف هذه المشاريع حوالي 2864 سريراً إضافياً للمستشفيات المغربية، إلى جانب تجهيز مستشفيات محلية وأخرى للطب المتخصص بهدف توفير الخدمات الطبية في المناطق النائية وتقليل الفوارق المجالية والاجتماعية.
غير أن مصادر نقابية، وعلى الرغم من ترحيبها بإنشاء مستشفيات جديدة، شددت على أن التأهيل وحده لا يكفي لتحقيق خدمات صحية عالية الجودة. وأشارت إلى أن توفير المعدات الطبية والأطر المؤهلة بشكل فعّال لا يزال ضرورة ملحة لضمان وصول الخدمات بشكل مناسب للمواطنين في المناطق التي تعاني من نقص حاد في البنية التحتية.
أما فيما يتعلق بالموارد البشرية، فقد كشفت الوزارة عن خطة لتوظيف 6500 منصب مالي خلال سنة 2025، بهدف سدّ الاحتياجات المتزايدة للقطاع الصحي من الأطباء والممرضين والأطر التقنية والإدارية. إلا أن مصادر مهنية لفتت إلى أن هذا العدد قد لا يكون كافياً لمواجهة التحديات على المدى البعيد، حيث أن الاحتياجات تفوق ما تم الإعلان عنه، خاصة في ظل هجرة الأطباء إلى القطاع الخاص أو للخارج.
وعلى صعيد البرامج الوقائية، تضمن عرض الوزير إطلاق عدة مبادرات لتعزيز صحة المواطنين، من بينها برنامج الكشف المبكر عن أمراض الأطفال والأمهات، وتوسيع جدول التلقيح الوطني ليشمل لقاحات جديدة كالتطعيم ضد فيروس الورم الحليمي للفتيات في سن 11 سنة.
الوزير تطرق ايضا إلى توسيع برنامج وحدات الصحة المتنقلة الذي نجح في تقديم أكثر من 96 ألف استشارة طبية عامة ومتخصصة، في إطار جهود الوزارة لتوصيل الخدمات الصحية إلى المناطق المعزولة. لكن مصادر نقابية حذرت من أن هذه المبادرات، على الرغم من ضرورتها، تواجه صعوبات في التمويل وتوزيع الموارد، مما قد يحد من فعاليتها على أرض الواقع.
وفيما يخص الميزانية المخصصة للوزارة لسنة 2025، كشف الوزير أنها تبلغ حوالي 32.575 مليار درهم، بزيادة 6% عن ميزانية السنة السابقة، موزعة بين اعتمادات الاستثمار التي تبلغ 9 مليارات درهم ونفقات التسيير بحوالي 15.8 مليار درهم، إضافة إلى تخصيص حساب خاص للصيدلية المركزية بقيمة 800 مليون درهم. لكن بعض المصادر النقابية أشارت إلى أن زيادة الميزانية لا تعني بالضرورة تحسن الخدمات إذا لم تُوجّه الاعتمادات المالية بالشكل الأمثل.
وأوضحت أن الجزء الأكبر من الميزانية يجب أن يذهب لتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين بشكل مباشر في المناطق المهمشةن بالإضافة الىتحسين ظروف العاملين في القطاع من أطر صحية وأطباء وتقنيين، عوضا عن التركيز على المشاريع الكبرى فقط، التي قد تستغرق وقتاً طويلاً لتحقيق نتائج ملموسة.
وفي إطار تطوير البنية المعلوماتية للقطاع الصحي، شدد العرض على أهمية تحديث النظام المعلوماتي الصحي من خلال تفعيل الملف الطبي المشترك والعمل على منصات تواصلية لتوحيد بيانات الأنظمة المعلوماتية التابعة للوزارة وربطها بقاعدة بيانات وطنية شاملة. غير أن العاملين في القطاع أعربوا عن قلقهم من أن هذه المشاريع الرقمية قد تواجه عقبات تقنية وإدارية، خاصة في ظل تفاوت الإمكانيات التكنولوجية بين مختلف المؤسسات الصحية، وافتقار بعض المناطق إلى البنية التحتية اللازمة.







