بعد مخاض طويل وسلسلة من النقاشات الحادة داخل مجلس النواب، صادق هذا الأخير، أمس الثلاثاء، على مشروع القانون التنظيمي رقم 97.15 الذي يهدف إلى تحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب في المغرب. جاء هذا القانون ليملأ فراغا تشريعيا طالما أثار الجدل في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، حيث يسعى إلى ضبط العلاقة بين العمال وأرباب العمل في إطار يوازن بين ممارسة الحق في الإضراب وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
ويُعرّف القانون الجديد الإضراب باعتباره توقفا إراديا جماعيا ومؤقتًا عن العمل، سواء في القطاع العام أو الخاص، بهدف الدفاع عن حقوق أو مصالح مهنية، اقتصادية أو اجتماعية. ويمتد ليشمل العمال المهنيين والأجراء وغيرهم من الفئات التي تمارس نشاطًا خاصًا.
ويلزم القانون الجهة الداعية إلى الإضراب بالالتزام بإجراءات دقيقة تشمل تقديم ملف مطلبي واضح ودعوة الإضراب من قبل نقابة معترف بها أو لجنة مشكلة وفق القانون.
ومن بين أبرز المقتضيات التي جاء بها القانون، تحديد آجال للإخطار قبل الشروع في الإضراب لا تقل عن سبعة أيام، تُخفض إلى ثلاثة أيام في الحالات الطارئة المتعلقة بالصحة والسلامة.
كما يُحظر الإضراب في المرافق الحيوية دون ضمان حد أدنى من الخدمة، وتشمل هذه المرافق قطاعات الصحة، النقل، القضاء، وإنتاج وتوزيع الماء والكهرباء. ويلزم القانون الجهة الداعية إلى الإضراب بتحديد العمال المكلفين بضمان هذه الخدمات الضرورية، سواء عبر اتفاق مسبق أو بأمر قضائي عند الاقتضاء.
كما يمنع القانون إحلال عمال جدد محل المضربين إلا في ظروف استثنائية، ويشدد على حظر احتلال أماكن العمل أو عرقلة حرية العمل أثناء فترة الإضراب. وفي المقابل، يمنع على أرباب العمل اتخاذ إجراءات تمييزية ضد المضربين أو الانتقام منهم.
القانون الجديد نص أيضًا على منع الإضراب على فئات محددة مثل موظفي القوات المسلحة، الشرطة، القضاة، وأعوان السلطة الذين يحملون السلاح. كما يُمنع على العمال المكلفين بضمان الحد الأدنى من الخدمة ممارسة الإضراب خلال فترة الإضراب.
من جهة أخرى، يفرض القانون عقوبات صارمة على المخالفين لأحكامه، سواء كانوا أفرادًا أو جهات. وتتراوح الغرامات بين 2,000 و50,000 درهم حسب نوع المخالفة، مع مضاعفة العقوبات في حالة التكرار. وتشمل هذه العقوبات الدعوة إلى الإضراب دون استيفاء الشروط القانونية، عرقلة الإضراب، أو اتخاذ إجراءات انتقامية ضد المضربين.
وفي سياق التنفيذ، يدخل القانون حيز التنفيذ بعد مرور ستة أشهر على نشره في الجريدة الرسمية، ويلغي جميع النصوص المخالفة له.
ورغم أهمية هذا الإطار القانوني، ترى مصادر نقابية أنه سيواجه صعوبات كبيرة تتعلق بالتطبيق الفعلي، لا سيما في ظل التوترات المستمرة بين النقابات وأرباب العمل، والتحديات المرتبطة بضمان احترام الحقوق الأساسية وتوفير الحد الأدنى من الخدمة في المرافق الحيوية.
وكان وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، قد أكد، أمس الثلاثاء، أن مشروع القانون التنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب يروم حماية الشغيلة والمقاولة، وتوسيع الحريات النقابية.
وأوضح السكوري، في معرض تقديمه لمشروع القانون خلال جلسة عمومية عقدها مجلس النواب، أن هناك عددًا من التعديلات تم قبولها، “ليس بناء على اعتبارات سياسية، وإنما لكونها تعديلات منطقية ومعقولة وتستجيب لحاجيات المواطنين”، مشددًا على اعتماد منهج التشارك والتوافق مع مختلف التنظيمات النقابية والسياسية.
وبعدما أكد أن هذا النص القانوني يضمن التوازن من خلال حماية الحق في الإضراب وأيضًا الحق في العمل، شدد الوزير على أنه لا يمكن السماح بممارسة الشطط داخل المقاولات، كما لا يمكن قبول انقطاع الخدمات عن المواطنين.
وفي سياق حديثه عن تجويد نص مشروع القانون، قال السكوري إنه، إلى جانب منع المشغل من استقدام عمال مكان العمال المضربين، سيتم التنصيص على عدم استقدام أي أشخاص لم تربطهم علاقة عمل بالمؤسسة قبل تاريخ الإضراب، موضحًا أن الهدف من هذا التعديل هو الحد من إمكانية لجوء المشغل إلى المتدربين لتعويض العمال المضربين، وذلك من أجل أن يدرك المشغل أن الحوار هو الحل لإنهاء حالة الإضراب.
وفي ما يخص العقوبات، أفاد الوزير بأنه تم إجراء تعديلات جوهرية على مشروع القانون، من أبرزها “إلغاء العقوبات السالبة للحرية التي كانت موجودة في النص السابق”، وحذف الإحالة على العقوبات “الجنائية الأشد”، التي لا يمكن تطبيقها على الإضراب باعتباره “مجرد توقف عن العمل”، مبرزًا أنه في حالات مثل تخريب الممتلكات أو المساس بالأمن العام، يتم تطبيق قوانين أخرى.
وأضاف الوزير أن العقوبات المفروضة على المشغل لا ينبغي أن تكون مماثلة لتلك التي تفرض على النقابات في حال الإخلال بهذا القانون، وذلك للحد من لجوء المشغل إلى أداء العقوبات المالية مقابل عدم أدائه حقوق العمال.







