لم تخل سنة 2024 من احتقان اجتماعي، في ظل سوء تدبير حكومة عزيز أخنوش لملفات فئات مهنية وجدت الشارع كملاذ للضغط على الجهاز التنفيذي للاستجابة لمطالبها. وشكلت احتجاجات موظفي الصحة التي امتدت لشهور، إلى جانب المقاطعة الشاملة وغير المسبوقة التي نفذها طلبة الطب، عنوانا بارزا للاحتجاجات التي شهدها المغرب في عام 2024.
هذه الاحتجاجات أظهرت غياب الحس السياسي لدى الحكومة، بدليل أن وزير التعليم العالي السابق عبد اللطيف ميراوي، الذي رفض بشكل قاطع مراجعة قرارات مثيرة للجدل في صفوف طلبة الطب، وجد نفسه خارج الحكومة، ليتم حل هذه الأزمة التي امتدت لشهور طويلة خلال أيام قليلة، بعيدا عن هواجس وأسئلة من يحرك هذه الفئة أو يتحكم في قراراتها.
ولم تكن بداية هذه السنة هادئة في قطاع التعليم العالي. فقد انطلقت 2024 بعيد أيام قليلة من التوصل إلى اتفاق مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية يهم تحسين دخل رجال ونساء التعليم، من خلال زيادة في زيادة في الأجور بمبلغ 1500 درهم لفائدة جميع موظفي القطاع. ورغم ذلك، فقد انطلقت السنة التي نودعها على وقع الاحتقان، بسبب التوقيفات التي طالت عددا من الأساتذة الذين شاركوا في الإضرابات.
“حرب” أخنوش وآيت الطالب
يشكل الاحتقان الذي شهده قطاع الصحة، بسبب احتجاجات وإضرابات موظفي القطاع على خلفية مطالب تتعلق بتحسين أوضاعهم المادية والمهنية، أحد أوجه سوء تدبير الأزمات الاجتماعية من طرف الحكومة، خاصة عندما يتحول الأمر إلى مواجهة مفتوحة تتحول إلى معركة لكسر العظام بين مكونات الجهاز التنفيذي.
نعم، ففي الوقت الذي وقعت وزارة الصحة على محضر اتفاق مع نقابات القطاع يقر مجموعة من المكتسبات ذات الصبغة المهنية والمادية، سيجد الوزير السابق خالد آيت الطالب نفسه في ورطة حقيقية، بعد رفض رئيس الحكومة التأشير على هذا المحضر، وعدم الاعتراف به كاتفاق بين الحكومة والنقابات.
تحول هذا الملف إلى مواجهة مفتوحة. فمن جهة، رفض رئيس الحكومة التأشير لتنفيذ الاتفاق، ومن جهة ثانية ظل خالد آيت الطالب يرمي بالكرة في ملف عزيز أخنوش، بشكل دفع النقابات إلى الخروج عن صمتها والدخول في احتجاجات وإضرابات واسعة، وصل بعضها لمدة أسبوع كامل، باستثناء أقسام الإنعاش والمستعجلات.
وبعد ضغط كبير واحتجاج المواطنين على شل الخدمات الصحية بالمملكة، اضطر رئيس الحكومة للتدخل وتكليف وزير الصحة لمجالسة النقابات مرة أخرى من أجل التوقيع على اتفاق جديد، في مشهد كاريكاتوري أظهر ضعف الفاعل الحكومة، وعدم قدرته على تنسيق قراراته قبل الجلوس إلى طاولة الحوار لحل الإشكالات المهنية والاجتماعية.
مقاطعة كليات الطب
ربما لم يسبق للمغرب أن شهد مقاطعة للدروس والامتحانات كتلك التي تفجرت في كليات الطب لسنة كاملة، حتى أصبح شبح السنة البيضاء مطروحا بقوة، بعدما انطلقت السنة الجامعية الجديدة دون أن تحسم الحكومة في مصير السنة التي سبقتها، والقرار الذي ستتخذه بشأن مصير آلاف الطلبة الذين رفضوا بشكل قاطع العودة إلى فصول الدراسة.
في بداية سنة 2024، وبالضبط يوم الخميس 22 فبراير، أعلنت الحكومة أن الحوار وصل إلى الباب المسدود مع طلبة كليات الطب، بعد شهور من الاجتماعات التي أحاطت بها إضرابات ومقاطعات، قبل أن تعلن اتخاذها إجراءات لضمان إجراء الامتحانات ومواصلة الموسم الجامعي، في وقت يتشبث الطرف الآخر بموقفه الرافض لهذا التوجه الحكومة.
ظلت حالة الشد والجذب متواصلة في ظل البلاغات والبلاغات والتصريحات المضادة. فمن جهة يتشبث الطلبة بمطالبهم، بينما ترفع الحكومة شعار الرفض، لتظل الأمور على حالها رغم الوساطات التي بادرت إليها عدد من الأطراف الرسمية والبرلمانية والمدنية، دون أن يتم التوصل إلى أي اتفاق لشهور طويلة.
الخلاف حول هذا الملف يعود إلى قرار أعلنت من خلال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ضرورةً تقليص مدة الدراسة في كلية الطب والصيدلة من سبع سنوات إلى ستة، بمبرر أن ذلك سيرفع من عدد الأطباء الخريجين، خصوصا في ظل الإجماع على أن المنظومة الصحية تعاني خصاصا كبيرا. ولتأكيد العزم على تنفيذ هذا التوجه، أصدرت الوزارة، في فبراير 2022، مذكرة إلى عمداء الكليات تؤكد فيها على خفض سنوات الدراسة من 7 إلى 6، وهو ما العلاقة بين طلبة هذه الكليات وهيئات الأطباء مع الوزارة تدخل في شد وجذب.
بالموازاة مع الموقف الحكومي، ظل طلبة كليات الطب والصيدلة يعبرون في كل مناسبة عن رفضهم لهذه القرارات. في مختلف البلاغات التي أصدرت اللجنة الوطنية لطلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان بالمغرب، منذ 2022، ظلت هذه التنسيقية تؤكد على رفضها خفض السنوات، وأيضا ضرورة الاستجابة لنقط ترى أنها ذات أولوية قبل الحديث عن خفض السنوات إلى ست، أبرزها أن تخفيض مدة التكوين دون العمل على إعداد السلك الثالث “لا يشكل حلا بحد ذاته”، وأنه “يطرح إشكالا إضافيا في ما يخص توجيه الطلبة واختياراتهم بعد الست سنوات”.
أما بخصوص الرفع من عدد المقاعد المفتوحة في وجه الطلبة الجدد، والذي ترى فيه الحكومة هدفا لمواجهة الخصاص، يرى الرافضون أنه سيخلق مشاكل على مستوى ميادين التداريب الاستشفائية، أبزرها الاكتظاظ وخلق إشكالية في التنسيق الناجع بين قطاعي التعليم العالي والصحة في ما يخص التكوين.
ظل الملف على حاله إلى أن تم تعيين عبد اللطيف الميداوي، وزيرا للتعليم العالي خلفا للميراوي.. وقد بدا منذ الأيام الأولى أن الرجل عازم على حل الملف، لاسيما بعد تكليفه من طرف رئيس الحكومة بمباشرة اجتماعات لإيجاد حل، وهو الأمر الذي تأتى بفضل وساطتها قادها وسيط المملكة، وانتهت إلى توقيع اتفاق يستجيب لعدد من المطالب التي رفعها طلبة كليات الطب بالمغرب.







