تُصر حكومة “تستاهلو حسن”، مع اقتراب انتهاء ولايتها، على تجاهل التحذيرات الرسمية التي أطلقتها عدد من المؤسسات الرقابية والمالية بشأن المنحى الخطير الذي انجرفنا إليه على مستوى المديونية..
حكومة صارت تتعامل مع القروض الخارجية الثقيلة، مثل خرطوم جاهز لإطفاء الحرائق المتفاقمة التي تُعري عجزها الفادح عن ابتكار وسائل لإنعاش الخزينة، بعيدًا عن الآليات التقليدية التي تُنذر بتداعيات جد كارثية، ومنها الاقتراض، والإفراط في “الجباية”، ورحم الله ابن خلدون…
حكومة مسكونة بهاجس انتخابي يفسر تجاهلها لناقوس الخطر الذي دقه والي بنك المغرب، وقبل ذلك تجاهلت تحذيرات المجلس الأعلى للحسابات، الذي كشف أن الدولة لا تقترض فقط لسد ثقوب الميزانية، وتدارك النقص المتراكم في عدد من القطاعات، بل صارت أيضًا تقبل بضمان قروض جديدة، وبالعملة الصعبة لمؤسسات عمومية ظلت عنوانًا للفضائح، وتبذير المال العام، رغم مئات الملايير التي صرفت لإنعاشها وإنقاذها من فزاعة إفلاس اتضح أنه وسيلة للاستمرار في ابتزاز الدولة واستنزاف مال المغاربة.
المناسبة هي القروض الفلكية الجديدة التي سيحصل عليها المكتب الوطني للسكك الحديدية والشركة الوطنية للطرق السيارة في إطار كعكة صفقات المونديال. يحدث هذا طبعًا بعد إقبار خطة وزير المالية الأسبق محمد بنشعبون لإصلاح القطاع العام، وكيفية تجاوز منطق الضيعة و”الجزر المعزولة” الذي أوصل عددًا من المؤسسات العمومية إلى حافة الإفلاس.
اليوم ورغم أن المغرب صار تلميذا جد مطيع للبنك الدولي، إلا إن حكومة اخنوش فضلت أن تتعامى عن توصيته التي نبه فيها للحافة التي ننجرف إليها بسرعة حين حثت بعثة صندوق النقد الدولي المغرب الأسبوع الماضي على تقليص الدعم الموجه إلى الشركات الحكومية لتمويل الإصلاحات الهيكلية.
حسب أرقام وزارة الاقتصاد والمالية لعام 2024، يملك المغرب أكثر من 271 مؤسسة وشركة حكومية. وصرفت الدولة لهذه المؤسسات والشركات ميزانية قدرها 65.6 مليار درهم (6.5 مليار دولار) في عام 2023، في حين لم تتجاوز الأرباح المحولة من هذه المؤسسات إلى الميزانية 13.9 مليار درهم، ما يعني أنها عبارة عن “شكوة مثقوبة” تسيل منها ملايير تصنع فسادا لذيذا من خلال صفقات ضخمة يتم تمويل معظمها بقروض بالعملة الصعبة.
نزيف الاقتراض متواصل رغم أن التقارير الرسمية كشفت أن الديون الخارجية للمقاولات والمؤسسات العمومية تجاوزت 186 مليار درهم، وأن ديون ست مؤسسات عمومية، وعلى رأسها مكتب الماء والكهرباء، ومكتب السكك الحديدية، والطرق السيارة، تشكل أزيد من 92 في المائة من إجمالي هذه الديون.
ديون سيتعين على المغاربة دفعها مع فوائدها بشكل سنوي، ولعقود، أما التحذيرات المتتالية التي تشبه طرقًا على جدران الخزان، فهي لا تقلق لا الحكومة ولا الوزراء ولا أحزاب الأغلبية، مادام الأهم بالنسبة إليهم هو ضمان مكان في حكومة المونديال… هذا في وقت صار فيه أقصى ما يطلبه المواطن هو إعدام حقه في فرحة عيد الأضحى، وإلغاء شعيرة دينية صارت تحدث ثقبا أسود في جيوب عشرات آلاف الأسر بفعل تقصير حكومة تصر على تفقيرنا جميعًا.
في تسعينيات القرن الماضي، مع مجيء حكومة اليوسفي، اكتشف المغاربة أن نسبة كبيرة من المؤسسات العمومية قد أصبحت عبارة عن جرة مثقوبة سالت منها الملايير من الأموال العامة، قبل أن تنطلق محاكمات وتحقيقات ظلت دون أثر.
اليوم نعاين فيه وبكل برود وصمت ولا مبالاة أجزاء أخرى من هذا المسلسل، بعد كل تقرير يخرج به المجلس الأعلى للحسابات. الغريب أن وزير مالية سابق أقر جملة وتفصيلًا بالاختلالات التي هزت أكبر المؤسسات العمومية بالمغرب، ومن بينها المكتب الوطني للكهرباء والماء، والمكتب الشريف للفوسفاط، والمكتب الوطني للسكك الحديدية، والمكتب الوطني للمطارات والخطوط الملكية المغربية. وقال: “نتوما غرقوها ووحلوها فينا”.
بوسعيد لم يكتفِ بأن أصبح شاهداً على صحة تقرير جطو، بل وجه اتهامًا مباشرا للمدراء العامين لهذه المؤسسات، ممن يتقاضون رواتب فلكية، بأنهم السبب في جر هذه الأخيرة إلى حافة الإفلاس، من خلال التورط في مشاريع غير منتجة، وتفريخ مقاولات فرعية بدون قيمة مضافة، مع الإفراط في الاقتراض للتغطية على النزيف المالي.
نعم، هو تقريع غير مسبوق من طرف وزير لمسؤولين كبار لطالما تحدوا وزراء في عدة حكومات، ووقفوا في مواجهة غضب شعبي عارم، كما استفاد بعضهم من حصانة في مواجهة سلسلة من الفضائح والكوارث، لكن ما فات هذا الوزير الذي صار من المغضوب عليهم هو أن هذه القروض السخية التي يتسلمها هؤلاء بالعملة الوطنية وأيضًا بالعملة الصعبة لتبييض أخطائهم، تقوم الحكومة بالتأشير عليها وضمانها، وهي بذلك شريكة في هذه الاختلالات الخطيرة التي ظل أصحابها بعيدين عن غرف جرائم الأموال.
اليوم، ومع صفير طنجرة السخط الشعبي الذي صار صوتها يتعاظم يومًا بعد يوم، ومع كل الضجيج الذي نسمعه عن من سيقود حكومة المونديال، وما نعاينه من تهافت خطير لجمع أكبر قدر من القروض والديون الخارجية بعد أن صارت عصا البنك الدولي فوق رؤوسنا، نقول: “غا الله يستر وصافي…”
شوفوا للناس حولي العيد… عاد دابزو على “المونديال”.







