لم تكن الحكومة في حاجة إلى كثير من الجهد لإقناع المغاربة بأن البلد يعيش إحدى أسوأ سبع سنوات عجاف منذ عقود. فلم تكن خرجة وزير الفلاحة أحمد بواري، في ندوة صحفية عقب انعقاد المجلس الحكومي الخميس الماضي، إلا عنوانا بارزا لأزمة إنتاج فلاحي غير مسبوقة، والتي ينتظر أن تستمر تداعياتها لشهور طويلة، مهما كانت البرامج التي ستخصص لها ميزانيات ضخمة.
تصريحات وزير الفلاحة كشفت أن المغرب فقد 38 في المائة من قطيعه الوطني، وهذا رقم كاف لتلعن هذه الحكومة سلسلة اللحوم قطاعا منكوبا. فأن يفقد المغرب، في ظرف سنوات قليلة، الملايين من رؤوس الأغنام التي كانت تصل حتى 2021 إلى حوالي 31 مليون رأس، فالأمر يستوجب اليوم الكثير من الشفافية والصراحة، ولما لا تشكيل لجنة تقصي حقائق برلمانية للكشف عن الأسباب الحقيقية لهذا التراجع، بدل الاختباء وراء “فزاعة” الجفاف..فقط!
في تصريحاته قدم الوزير مقارنة بين الوضع الحالي ووضع القطيع الوطني في سنة 2016. وبقليل من النبش في المعطيات التي حصل عليها موقع “نيشان” سنجد أن المغرب قد تقهقر بشكل كبير إلى وضعية ما قبل إطلاق مخطط المغرب الأخضر..أي ما قبل سنة 2008. فماذا وقع بالضبط؟
سقوط حر
بدأ كل شيء منذ أربع سنوات. ذلك أن الأرقام توضح بأن إجمالي عدد الثروة الحيوانية (البقر، الأغنام، والماعز) خلال الموسم الفلاحي 2019-2020 عرف زيادة ملحوظة بنسبة 7% مقارنة بالموسم الذي سبقه، والذي شهد زيادة بنسبة 0.6%، حيث ارتفع العدد من 29,210,000 رأس إلى 31,264,000 رأس.
وقد تم تسجيل الزيادة الكبيرة في قطيع الأغنام الذي ارتفع بنسبة 9.5%. يليه البقر بزيادة قدرها 5.5%. أما بالنسبة للماعز، فقد تم تسجيل انخفاض نظرا لتأثيرات الظروف المناخية وتدهور المراعي الحرجية والمراعي في المناطق الصحراوية.”
وتظهر الأرقام أن المغرب حقق طفرة مهمة في قطاع الماشية بين سنتي 2002 و2020. ففي بداية الألفية الثالثة، لم يكن عدد رؤوس الماشية يتجاوز حوالي 24 ألف، ليبلغ سنة 2020 أكثر من 31 مليون رأس.

بالعودة إلى سنة 2016، التي استند إليها وزير الفلاحة كمرجع لإجراء المقارنة في تطور وضعية القطيع الوطني، سنلاحظ أن العدد كان يبلغ 28 مليون و770 ألف رأس كما تظهر المعطيات الواردة في الجدول التالي:

بالعودة إلى تصريحات وزير الفلاحة، والتي تحدث فيها عن تراجع في رؤوس الماشية بـ38 في المائة مقارنة مع 2016، فإننا سنجد أنفسنا أمام كارثة حقيقية. ذلك أن القطيع الوطني تراجع بأكثر من 10 آلاف رأس، وهو رقم ضخم يعود بنا إلى ما قبل سنة 2002 التي كان يبلغ فيها عدد الرؤوس أكثر من 24 مليون.
بلغة أخرى، واستنادا إلى النسبة المقدمة من طرف الوزير، فإن عدد رؤوس الماشية حاليا لا يتجاوز حوالي 18 مليون و125 ألف رأس. وإذا قمنا بمقارنة هذا الرقم مع آخر سنة قدمت فيها الوزارة معطيات دقيقة حول القطاع، وهي سنة 2021، فإننا سنجد أنفسنا أننا قد فقدنا خلال 4 سنوات حوالي 13 مليون رأس.
نهاية الاكتفاء الذاتي
لم يكن الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار اللحوم الحمراء خلال السنوات الأخيرة إلا انعكاسا لواقع انهيار القطيع الوطني بشكل دراماتيكي، رغم الميزانيات الضخمة التي أنفقت على هذه السلسلة في إطار مخطط المغرب الأخضر. فإلى حدود سنة 2020، بلغ إنتاج اللحوم الحمراء بالمغرب 540 ألف طن، ليغطي بذلك 98 في المائة من الطلب الوطني. وقد كان معدل الاستهلاك السنوي للفرد يبلغ حوالي 17.2 كلغ.
هذا الاستهلاك كان يحققه الفرد المغربي حين لم يكن سعر اللحوم يتجاوز حوالي 75 درهما للكيلوغرام كحد أقصى. أما اليوم، فالاستهلاك تراجع على نحو مهم.

يتضح بشكل جلي أن الاستثمارات التي تم ضخها في قطاع تربية المواشي وإنتاج اللحوم الحمراء كان لها وقع مباشر على الإنتاج الذي انتقل من حوالي 400 ألف طن سنة 2008 التي عرفت إطلاق برنامج المخطط الأخضر إلى 606 ألف طن سنة 2019، لينخفض بقليل سنة 2020 التي تزامنت مع جائحة فيروس “كورونا”. لكن منذ ذلك الحين، لم تفرج الوزارة عن أرقام مضبوط تتعلق بإنتاج هذا القطاع، رغم أن الواقع يؤكد بأنه تراجع بشكل كبير، ما جعل الحكومة تتجه نحو استيراد اللحوم المجمدة ورؤوس الماشية من الخارج.
فزاعة “الجفاف”!
ليست هذه المرة الأولى التي يعرف فيها المغرب سنوات متتالية للجفاف، لكن يمكن الجزم بأن هذه واحدة من اللحظات الصعبة التي اجتازتها بلادنا -منذ عقود- في توفير اللحوم الحمراء للمواطنين بأسعار معقولة. فلم يسبق أن بلغت أسعار لحوم البقر مستويات قياسية قفزت فيها إلى 120 درهما للكيلوغرام، بينما بلغ سعر لحوم الغنم 150 درهما للكيلوغرام.
توجه الحكومة أًصبع الاتهام بشكل مباشر للجفاف، لكن في التفاصيل يكمن الشيطان. صحيح أن الجفاف يبقى العامل الرئيسي وراء هذا الوضع، لكن الإجراءات التي اتُخذت كان يفترض أن يكون لها وقع مهم على ضبط هذا القطاع، والحال أن ما نعيشه اليوم يجعلنا أمام وضع كما لو أن الحكومة لم تتخذ أي إجراء. فلا الدعم الكبير بمختلف أشكاله استطاع أن يخفض الأسعار، ولا استطاعت عملية استيراد اللحوم الجاهزة أن تحقق التوازن المطلوب بين العرض والطلب.
أمام هذا الوضع، قررت الحكومة وقف استيراد اللحوم المجمدة لأسباب مختلف على رأسها غياب البنية اللوجيستية القادرة على استقبال اللحوم المستوردة، وهذا ما يفسر جزئيا واقع استمرار ارتفاع الأسعار. ذلك أن فئة محدودة من كبار المستوردين الذين يتوفرون على شروط الاستيراد والتخزين هم الذين تمكنوا من الانخراط في هذه العملية وبالتالي التحكم في أسعار البيع عند المستهلك.
أيضا، يلاحظ أن نفس الفئة من كبار المستوردين هي التي تتحكم في استيراد رؤوس الماشية. فقد كشف وزير الفلاحة والصيد البحري، أحمد البواري، أن إجمالي عدد المواشي المستوردة خلال سنة 2024 بلغ حوالي مليون رأس، مشيرًا إلى أن الهدف الرئيسي من هذه الخطوة هو تقليل الضغط على القطيع الوطني من الأبقار والأغنام والماعز، وضمان توافر الكميات اللازمة لتلبية احتياجات السوق المحلية بأسعار معقولة.
غير أن هذه الواردات من المواشي لم يكن لها أي أثر في الأسواق. والغريب هو أن الحكومة أنفقت في عيد الأضحى للسنة الماضية 500 درهم عن كل رأس، في عملية استحوذت عليها 100 شركة حاصلة على الترخيص. مع ذلك، لم تنخفض الأسعار، بل شهدت أسواق بيع المواشي ارتفاعا كبيرا، في ظل غياب مراقبة أثر الدعم العمومي على المستهلك.
وعلى بعد أشهر من عيد الأضحى، الذي تحوم شكوك حول إمكانية إلغائه، بدأ المستوردون يتحركون في كل الاتجاهات. فقد أعلن الرئيس التنفيذي لمجلس مصدري المواشي الأسترالي (ALEC) مارك هارفي ساتون أن المغرب يستعد لاستيراد أغنام غرب أستراليا، مؤكدا أن بعثة مغربية حلت هذا الأسبوع بالبلاد، بهدف الاتفاق على شراء ما يصل إلى 100,000 رأس من الأغنام الحية سنويا.
برامج بدون أثر
قبل أيام خرج وزير الفلاحة أحمد البواري معلنا عن برنامج جديد لإعادة تكوين القطيع الوطني. هذا التصريح يأتي بعد حوالي سنتين على التزام رئيس الحكومة بإعادة التوازن وتشكيل القطيع الوطني على المدى القريب. كيف ذلك؟
في 17 أبريل 2023، ترأس رئيس الحكومة عزيز أخنوش اجتماعا مع مهنيي سلسلة اللحوم الحمراء الممثلين في الفيدرالية البيمهنية للحوم الحمراء (FIVIAR)، ومع ممثلين عن الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (COMADER)، والجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز(ANOC)، والفيدرالية البيمهنية لسلسلة الحليب(FIMALAIT)، وممثلين عن الاتحاد العام لمقاولات المغرب(CGEM)، بحضور كل من محمد صديقي، وزير الفلاحة السابق، وفوزري لقجع، الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، وعبد الله الجناتي، المدير العام للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.
خلال هذا اللقاء، أعلن أخنوش أن “الحكومة اتخذت عدة تدابير استعجالية للعمل على إعادة توازن السلسلة وتشكيل القطيع على المدى القريب في إطار عقدة برنامج تم إعدادها مع المهنيين، والتي ستوقع قريبا بين وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات والمهنيين والفدرالية البيمهنية للحوم الحمراء، بهدف تزويد السوق الوطنية بكميات كافية من اللحوم واستقرار الأسعار، مشيرا إلى أنه تم اتخاد عدة تدابير لاستيراد الأبقار والأغنام الموجهة للذبح، من بينها وقف استيفاء الرسم المطبق والضريبة على القيمة المضافة، والذي سبق وأن كان موضوع تواصل مهم من طرف الحكومة”.
مباشرة بعد ذلك، أي في 4 ماي 2023، تم توقيع 19 عقد برنامج لتحديث سلاسل الإنتاج الفلاحي، منها 4 عقود لسلاسل حيوانية، وهي سلسلة الحليب وسلسلة اللحوم الحمراء وسلسلة الدواجن وسلسلة تربية النحل. وبالعودة إلى تفاصيل عقد البرنامج الخاص بسلسلة اللحوم الحمراء، فإن الأمر يتعلق بتخصيص ما مجموعه 14,45 مليار درهم لتطوير سلسة اللحوم الحمراء، وفق ما جاء به عقد البرنامج 2021-2030، الذي وقعته الدولة مع الفيدرالية البيمهنية للحوم الحمراء، في إطار استراتيجية “الجيل الأخضر”.
ويقضي العقد بمساهمة المهنيين بـ6,70 مليار درهم، و7,75 مليار درهم مساهمة من الدولة، واضعا أمامه هدف مواصلة تحسين إنتاجية الثروة الحيوانية، وهيكلة وتحديث دوائر الذبح والتسويق والتوزيع. وتتوخى الأطراف تحقيق أهداف بحلول عام 2030، تتعلق بتحسين الإنتاج ليبلغ 850 ألف طن، بزيادة ب250 ألف طن مقارنة بما تحقق في نهاية 2020، وتحسين متوسط وزن الذبيحة من 245 كيلوغراما سنة 2019 إلى 270 كيلوغراما سنة 2030 بالنسبة للأبقار، ومن 16 كيلوغراما في 2020 إلى 20 كيلوغراما بحلول 2030 بالنسبة للأغنام. كما تشمل الأهداف التي وضعها عقد البرنامج الموقع تحسين ظروف الذبح باعتماد 120 مجزة بحلول سنة 2030، بدلا من 6 المعتمدة سنة 2020.
هذا العقد البرنامج يطرح اليوم سؤال تقييمه، بدل إطلاق برامج أخرى دون تشخيص دقيق، وتحميل كل طرف مسؤوليته الكاملة، وأن تنزل الحكومة بكامل ثقلها، عبر مختلف المؤسسات العاملة في القطاع، من أجل إجراء مراقبة صارمة، وقطع الطريق على الشركات التي تقتسم فيما بينها “كعكعة” الاستيراد التي لا يستفيد منها المواطن في محلات الجزارة.
أزمة بقر وحليب
في ظل الأزمة المركبة التي يعيشها قطاع المواشي، تراجعت قدرة بلادنا على تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم، بعدما كان الإنتاج يغطي الحاجيات بنسبة 98 في المائة. وقد دفعت آثار الجفاف و”الكوفيد” وخلل أنظمة الدعم والاستيراد عددا من الفلاحين الصغار إلى ترك هذا القطاع وتغيير الوجهة. ولابد من التذكير في هذا الإطار بأن من آثار الوضع الكارثي لقطاع الماشية بالمغرب أن عددا من التعاونيات المتخصصة في إنتاج الحليب أغلقت أبوابها، في ظل “الكوطا” التي تفرضها الشركات.
هذه “الكوطا” استفحلت مع ارتفاع واردات المغرب من البودرة. فمن جهة، قامت الشركات برفع سعر الحليب إلى 8 دراهم للتر على أساس أن توجه هذه الزيادة إلى المنتجين، غير أن الذي وقع هو أن الشركات المجمعة تشتري الحليب بأسعار لا تعكس تكاليف الإنتاج. ومع فتح الأبواب لاستيراد البودرة، أصبحت عدد من الشركات تفضل اللجوء إلى الحليب المجفف الذي لا تتجاوز كلفة إنتاجه 2.20 درهم للتر الواحد، بدل اقتنائه من الفلاحين بحوالي 4.30 درهم، أو أقل.
وبدورها، عرفت سلسلة الحليب توقيع عقد برنامج سنة 2023. وبلغت التكلفة الإجمالية المتعلقة بتنزيل مضامين عقد البرنامج الموقع بين الدولة ومجموعة القرض الفلاحي والفيدرالية البيمهنية لسلسلة الحليب، في إطار استراتيجية الجيل الأخضر 2020 – 2030، إلى ما يناهز 12.13 مليار درهم، منها 8.82 مليار درهم كمساهمة من الفيدرالية البيمهنية لسلسلة الحليب، و3.31 مليار درهم كمساهمة من الدولة.
ويسعى العقد إلى الرفع من إنتاج الحليب إلى 3.5 مليار لتر مقابل 2 مليار لتر في سنة 2020، مع تحسين المردودية من خلال رفع عدد اللترات لكل بقرة سنويًا، حيث يراهن العقد، بالنسبة للسلالة النقية، على بلوغ 5500 لتر سنويًا في أفق 2030 عوض 4200 لتر سنويًا في 2020. أما بالنسبة للسلالة الهجينة، يسعى البرنامج إلى بلوغ 3500 لتر في أفق 2030 عوض 2300 لتر في سنة 2020، وبخصوص السلالة المحلية يراهن العقد على بلوغ إنتاج بـ 700 لتر في أفق 2030 عوض 600 لتر في 2020.
كل هذه الأهداف التي تضمنها عقد برنامج سلسلة إنتاج الحليب، وأيضا عقد برنامج سلسلة إنتاج اللحوم الحمراء، تظل بعد حوالي سنتين على توقيعها موضع تساؤلات حول ما تحقق منها، في ظل أزمة كبيرة يعيشها قطاع الماشية ببلادنا، والتي تجعل الحكومة اليوم مدعوة إلى اتخاذ إجراءات جريئة لإعادة التوازن لهذا القطاع، ليس بتكرار خطأ دعم “كبار الفلاحين” بل أيضا بدعم قدرات الكسابين الصغار على الصمود في وجه تقلبات مناخية واقتصادية ستزداد حدة في السنوات القادمة.







