يثير مشروع تعديل مدونة السير، الذي تنكب وزارة النقل واللوجستيك على وضع اللسمات الأخيرة عليه، موجة من الغضب في أوساط السائقين المهنيين، الذين عبروا عن استيائهم من ما وصفوه بإقصائهم من الصيغة النهائية للتعديلات المقترحة.
وأعلنت هيئات مهنية تمثل السائقين المهنيين، من بينها “المرصد الوطني للنقل وحقوق السائق المهني بجهة طنجة تطوان الحسيمة” و”جمعية ملتقى السائق المهني للنهوض بشؤون السائقين المهنيين بالمغرب”، عن رفضها لما اعتبرته تعديلات غير تشاركية، مؤكدة أنها لم تُطّلع على الصيغة النهائية التي أرسلتها الوزارة إلى الأمانة العامة للحكومة، ولم تجد مقترحاتها التي سبق أن قدمتها خلال الحوار القطاعي أي صدى في المسودة المعروضة.
ورغم تقديم المشروع باعتباره خطوة نحو تحسين السلامة الطرقية ومواكبة التطورات التكنولوجية، فإن المهنيين يرون أن بعض التعديلات تضمنت “هفوات خطيرة”، خاصة فيما يتعلق بالسياقة المهنية. وأبرزوا أن المشروع خلط بين ورقة التسجيل والحامل، وقلل من العقوبات المرتبطة بتجاوز مدة السياقة وعدم احترام فترات الراحة، وهو ما يعتبرونه تراجعًا خطيرًا عن معايير السلامة الطرقية ويزيد من احتمالات وقوع حوادث مميتة.
وارتباطا بذلك، أكد السائقون المهنيون أنهم لا يزالون يتذكرون ما اعتبروه فشلًا ذريعًا في تفعيل بعض التعديلات السابقة التي طرأت على مدونة السير منذ تسع سنوات، خصوصًا فيما يتعلق بالبطاقة المهنية التي لم يتم العمل بها حتى الآن.
أما عن التعديلات الأخيرة، فقد سجلت الهيئات المهنية عددًا من الهفوات الاخرى التي وصفوها بأنها تشكل تهديدًا على سلامة الطرق، مشيرين إلى أن التعديلات المتعلقة بزمن السياقة وفترات الراحة، وكذلك تخفيف العقوبات على المخالفات، لن تؤدي إلا إلى زيادة حوادث السير، خاصة في قطاع نقل المسافرين والبضائع.
كما أثار المهنيون اعتراضاتهم على التعديلات التي تخص استخدام الأجهزة الحديثة لمراقبة السرعة، حيث اعتبروا أن غياب التنسيق التشاوري مع السائقين المهنيين في هذه المسائل المهمة سيؤدي إلى عدم فاعلية هذه الأنظمة في تحسين السلامة، وخلق توترات بين المراقبين والسائقين.
وفي اتصال مع “نيشان”، اعتبر مصطفى الزيتوني، سائق مهني في قطاع نقل البضائع، أن “التعديلات الجديدة تعكس انعدام التواصل الفعلي بين الوزارة والمهنيين”، مشددًا على أن “أي تغيير في مدونة السير يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ظروف العمل القاسية التي نواجهها يوميًا”. وأضاف: “الوزارة تتحدث عن السلامة الطرقية، لكن كيف سنحققها إذا كنا مطالبين بالعمل لساعات طويلة دون فترات راحة كافية؟ هذه التعديلات تهدد أرواح السائقين والركاب على حد سواء”.
وكشفت مصادر مهنية أخرى أن العديد من الهيئات الممثلة للسائقين لم تتوصل بأي رد رسمي حول مقترحاتها التي قدمتها خلال جلسات الحوار القطاعي، معتبرة أن “تمرير التعديلات دون تشاور حقيقي سيؤدي إلى توترات داخل القطاع”. وأكدت المصادر ذاتها أن بعض التعديلات، خاصة تلك المتعلقة بمراقبة السرعة وفترات السياقة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث سيضطر السائقون لمواصلة العمل لساعات أطول تحت ضغط متزايد لتجنب العقوبات المالية”.
وفي خضم هذه الانتقادات الحادة، طالبت الهيئات المهنية وزارة النقل بضرورة إعادة النظر في هذه التعديلات، وإعادتها إلى الوزارة لإعادة دراستها بالشكل الذي يضمن مشاركة الجميع ويأخذ في الاعتبار المصالح المشتركة، بما يحقق سلامة الطرق ويحسن ظروف العمل للسائقين. ودعت الهيئات السائقين إلى زيارة موقع الأمانة العامة للحكومة للإطلاع على التعديلات والمشاركة في النقاش العام حولها، مؤكدين أن القوانين التي تؤثر على حياتهم اليومية يجب أن تُناقش بروح التفاهم والشراكة الحقيقية.







