في الوقت الذي احتل فيه خبر إعدام ثلاثة ملايين كلب ضال واجهة الاهتمام الإعلامي الوطني والدولي، في سياق استعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030، غابت عن دائرة الضوء مأساة بشرية حقيقية تتكشف في صمت.. مئات المواطنين الذين وجدوا أنفسهم فجأة، وبدون سابق إنذار، بلا مأوى، في عملية إخلاء قسرية شملت العديد من المدن المرشحة لاستضافة المباريات.
الدار البيضاء، الرباط، مراكش، فاس، طنجة… كلها تحولت إلى مسارح لعمليات هدمٍ صادمة، حيث لم يكن الأمر مقتصراً على دور آيلة للسقوط أو بنايات عشوائية، بل امتد ليطال منازل وفيلات وشققاً كانت حتى الأمس القريب مسكونة بأصحابها، تأوي أسرهم، تحفظ ذكرياتهم، وتصون كرامتهم. لم تُؤخذ بعين الاعتبار أي اعتبارات إنسانية، لا مهلة كافية، لا حلول بديلة، لا تعويضات فورية، لا خطط واضحة، وكأن الأمر مجرد أرقام تُمحى من معادلة التصميم العمراني.
إنها دراما مكتملة الأركان، تسير على وقع “طراكسات” لا تعرف الرحمة، وأوامر إدارية باردة، لا تكترث بمصير العائلات التي باتت في العراء. ليس فقط في العراء الإسمنتي المادي، بل في العراء الوجودي والاجتماعي، حيث يجد المواطن نفسه بين ليلة وضحاها في وضع “لا يُحسد عليه”، دون منحه أي فرصة لترتيب حياته من جديد. وكأن الكأس الذي سيرتفع في ملاعب 2030 لا يتسع لهؤلاء الذين يُسحقون تحت عجلات التحضيرات المسعورة.
المفارقة القاتلة أن هذه العمليات لم تأخذ في الحسبان قرب شهر رمضان، حيث تُركت الأسر بلا سقف يحميها في شهر التراحم والتضامن. لم يُؤخذ في الاعتبار أن السنة الدراسية في أوجها، وأن الأطفال الذين كانوا يراجعون دروسهم أمس، أصبحوا اليوم مشتتين بين الشوارع والأقارب والبحث عن مأوى مؤقت. لم تُعِر السلطات اهتماماً للأثر النفسي والاجتماعي لهذه الفوضى، ولم تفكر في مصير العائلات التي خسرت كل شيء بين ليلة وضحاها.
أليس من السخرية أن يثور الرأي العام الدولي وجمعيات “حماية الدلافين” على مصير الكلاب و”المْجاحيم”، ثم تنبري وزارة الداخلية للتوضيح والتطمين، بينما تمر عمليات التهجير القسري للبشر دون ضجيج يُذكر؟ أليس من المحزن أن يتم التعامل مع المواطنين كمجرد عوائق لوجستية في مشروع يهدف إلى تحسين صورة البلد أمام العالم، بينما تُداس حقوقهم الأساسية داخله؟.
التحضير لكأس العالم لا يجب أن يكون على أنقاض كرامة المواطنين، ومن غير المقبول لحدث رياضي كيفما كان حجمه أو نوعه، أن يصبح ذريعة لتشريد العائلات وتدمير الاستقرار الاجتماعي. إن بناء الملاعب والفنادق والبنيات التحتية يجب أن يكون جزءًا من رؤية تنموية مستدامة، تراعي الإنسان قبل الإسمنت، وتُعلي قيمة المواطن فوق أي حسابات تجميلية لواجهة الدولة أمام المجتمع الدولي.
لكن يبدو أن البعض يفضل أن يذهب المواطن المغربي إلى الهامش، أن يتحول إلى مجرد تفصيل غير مهم في مشهد عالمي، أن يصبح ضحية في لعبة سياسية واقتصادية لا ترحم الضعفاء. وبينما تُهدم المنازل بلا رحمة، ويرتفع الغبار فوق أنقاض حياة كاملة، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة..أي مغرب نريد أن نُقدّمه للعالم في 2030؟ مغرب الملاعب الفاخرة والفنادق الفخمة، أم مغرب التشريد والإقصاء؟
الفيلسوف جان جاك روسو كان يقول “المدنية الحقيقية لا تُقاس بجمال الشوارع والمباني، بل بعدالة القوانين ورأفة السلطة”. فأي عدالة في أن يُقتلع مواطن مغربي من منزله بغتةً، دون أن يُمنح وقتًا للاستعداد، أن يجد نفسه يجر أطفاله وسط الركام، يكفكف دموعه أمام عدسات “المواقع الالكترونية”، يبحث عن سقف في مدينة باتت ترفضه. أي عقل يحكم هذه الهندسة الوحشية، التي تعيد تشكيل الخريطة البشرية بنفس الحسم الذي تُمحى به عشوائية الطرق والمباني.
إن كأس العالم سيمضي، كما مضت قبله أحداث رياضية كبرى، ولكن ماذا عن الذين فقدوا “منازلهم”، هل سيكون لهم مكان في مغرب ما بعد المونديال، أم أن رياح “التنمية” ستُلقي بهم إلى الهامش، حيث لا صوت لهم ولا نصير.







