تخيّل أن حياتك ليست سوى مشهد داخل استوديو عملاق، حيث كل شيء حولك مزيف، وكل شخص تقابله يؤدي دورا محددا في حبكة مكتوبة سلفاً، بينما تظل أنت المتفرج الوحيد الذي لم يدرك بعد أنه مجرد جزء من العرض. لا، هذه ليست قصة خيالية، بل واقع يعيشه المغاربة في نسخة مغربية أكثر عبثية من الفيلم الأمريكي “The Truman Show”، حيث يلعب عزيز أخنوش دور المخرج، فيما يقف المواطن المغربي محاصرا داخل “ديكور حكومي” يُصنع بعناية ليخفي الحقيقة. كل يوم، يُلقن المغاربة أن بلدهم واحة للفرص والإنجازات مُتموقع كقطب إقليمي إلخ إلخ إلخ، بينما تلتهم الأسعار قدرتهم الشرائية، وتتدهور الخدمات العمومية، وتتكرر الوعود دون أثر ملموس.
تماما مثلما كانت هناك جدران غير مرئية تمنع “ترومان” الذي جَسد دوره ” جيم كاري” من الهروب، هناك جدران تُرفع في وجه المغاربة، جدران من “الإعلام الموجّه”، والذباب الإلكتروني، والخطابات السياسية المليئة بالتطبيل والتزمير. لقد وصلنا إلى مرحلة حيث يتم إخبار المواطن أنه يعيش في “أول دولة اجتماعية في إفريقيا”، بينما يقبع 3.2 مليون مغربي تحت خط الفقر وفق تقارير البنك الدولي، ويضطر ملايين آخرون إلى انتظار “قفف الإحسان” التي توزعها أيادٍ محسوبة على الحزب الحاكم، وكأنهم لاجئون داخل وطنهم.
في الفيلم، كان “ترومان” يعتقد أن حياته عادية، أنه رجل حرّ، لكن كل تفاصيل يومه كانت مرسومة مسبقاً، حتى انفعالاته ومشاعره. وفي المغرب أيضا، يتم تسويق فكرة أن كل شيء يسير نحو الأحسن.. الإعلام يهلل لإنجازات “حكومة تستاهل احسن”، ويتغنى بمشاريعها، ويتفنن في تصوير رئيس الحكومة كشخص لا يُخطئ، يتربع في أعلى مراتب “النقاء والكفاءة”، بينما المواطن، الذي قيل له إن “العيشة في بلادنا أحسن من العيشة في الخارج”، يجد أن 54 ألف مغربي حصلوا على الجنسية الإسبانية خلال عام 2023، وفقاً لبيانات نشرها أخيرا مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”، وأن آلاف الشباب يخاطرون بحياتهم يومياً في قوارب الموت بحثاً عن “فرصة” حقيقية، وليس “فرصة” التي فضح “وسيط المملكة تناقضاتها” وكشف عن “فشلها”.
أخنوش نفسه، الذي قال هذه الجملة أمام “برلمانٍ” يصفق له كجوقة “كومبارس”، لم يجد بلاده مناسبة لاستكمال دراسته، فاختار “جامعة شيربروك” بكندا، لكنه يريد من المغاربة أن يؤمنوا أن البقاء هنا هو الامتياز الحقيقي. وعندما بدأت الاحتجاجات تتصاعد ضد الغلاء، خرج ليؤكد أن الحكومة تدعم الفقراء، وأنها قدمت لهم دعما مباشرا، بينما الأرقام تشير إلى أن نسبة المستفيدين من الدعم لا تصل حتى 10بالمائة من الفئات المستحقة، فيما يعيش الملايين على هامش المعادلة، وآخرون فقدوا الدعم بمجرد شرائهم تعبئة بـقيمة 5 دراهم لشحن هواتفهم الرخيصة.
وعندما اكتشف “ترومان” أن البحر الذي أمامه ليس سوى “جدار مرسوم”، دفعه الفضول للمضي قدما، فبدأت القوى التي تتحكم به ترسل عواصف “مزيفة” لمنعه من الوصول إلى الحقيقة. في المغرب، كل من يحاول اختراق السردية الرسمية يتعرض لحملات التشهير والتخوين والاتهام بالتشاؤم والسوداوية وخدمة “أجندات المشوشين” ووو، حتى أصبح انتقاد الحكومة تهمة بحد ذاتها. الصحافة التي تحاول كشف هذه الحقائق تجد نفسها أمام متابعات قضائية أو تضييقات، فيما تستعد خزينة الدولة لضخ 30 مليار درهم سنويا من أموال دافعي الضرائب، في مقاولات قيل أنها “كبرى” و “مهنية”، “والله أعلم”.
أخنوش، الذي يدير إمبراطورية اقتصادية عملاقة، وتقدر ثروته بحوالي 2 مليار دولار وفق فوربس، يتصرف كأنه المخرج المطلق لهذا الفيلم، يكتب السيناريو، يحدد أدوار الكومبارس، ويوزع المساعدات متى شاء، ويرفع الأسعار متى شاء، ويقرر مصير القطاعات الحيوية كما يشاء، فيما المواطن العادي لا يملك سوى خيار المشاهدة أو التصفيق القسري.
وإذا كان “ترومان” قد بدأ يشك في حقيقة عالمه عندما لاحظ التكرار المريب في الأحداث، فالمغاربة أيضا لم يعودوا يصدقون هذا المسرح العبثي. حين يسمعون عن “صفقات نزيهة” تُمرر لشركات مملوكة لرئيس الحكومة، أو يرون قطاع الصحة والتعليم يُدار كما لو أنهما مشاريع خاصة، أو يشاهدون كيف أن الحكومة التي أطنبتْ في الحديث عن “أزمة المياه” منحت أكبر صفقة لتحلية البحر لشركة تابعة لأخنوش، فإنهم يدركون أن هذا ليس واقعا، بل “حبكة مكتوبة” بإتقان لحماية “المصالح الكبرى”.
في النهاية، “ترومان” قرر المواجهة، صعد على متن قاربه واتجه نحو الأفق، رغم العواصف المزيفة التي حاولت إغراقه، إلى أن اصطدم بالجدار وكشف الخدعة. المغاربة أيضا، يدركون أن وراء هذه الصورة المصنوعة بعناية، هناك واقع آخر، وأن عليهم، عاجلا أم آجلا، أن يخرجوا من هذا “الاستوديو الحكومي الكبير”، ويروا الحقيقة بأعينهم.
وإذا كنت، عزيزي القارئ، لم تشاهد فيلم The Truman Show بعد، فقد يكون الوقت مناسبا لمشاهدته الآن. ربما ستجد فيه تفسيرات أكثر عمقا لما يحدث من حولك!







