انتهت اليوم رحلة محمد البشير الراشيدي، في منصب رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من الرشوة ومحاربتها، إثر تعيين الملك محمد السادس لمحمد بنعليلو على رأس هذه المؤسسة الدستورية التي تحمل على عاتقها مهمة محاربة الفساد.
لم تكن علاقة الراشيدي بالحكومة ورئيسها عزيز سمنا على عسل، بل إن الأمور وصلت مستويات غير مسبوقة من التوتر بعد التقارير التي أصدرتها المؤسسة، خاصة التقرير السنوي الذي كشف عن تراجع حاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ حصل المغرب على 38 نقطة فقط من أصل 100 نقطة، مسجلاً بذلك تراجعاً بخمس نقاط خلال خمس سنوات فقط، ما تسبب في سقوط ترتيب المغرب من المرتبة 73 سنة 2018 إلى المرتبة 97 سنة 2023 ضمن 180 دولة.
وفق مصادر “نيشان” فإن سبب الخلاف لا يعود إلى كون الراشيدي مدفوعا أو جاء لضرب الحكومة، بل لكونه حرص على أداء مهامه بشكل مستقل تماما عن الحكومة، ربما كما لو أنه يشتغل في مؤسسة مدنية، ما جعله يتعرض لانتقادات علنية وبشكل رسمي من طرف الحكومة، التي تحمل مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسمها، عناء مهاجمة الراشدي وهيئته في ندوة صحفية عقب انعقاد المجلس الحكومي يوم 10 أكتوبر 2024.
بايتاس اختار في تلك الندوة، حسب المراقبين، هروبا “غريبا” إلى الأمام، وعوض الرد على سؤال لـ”نيشان” حول تصريحات رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة بـ”تهرب” رئيس الحكومة من عقد اجتماع اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، رغم مراسلة رئاسة الحكومة في أكثر من مناسبة في هذا الشأن، بدأ يعدد ما وصفه بـ”إنجازات” الحكومة في مجال محاربة الفساد.
وبلهجة غاضبة عكست انزعاجاً حكومياً من تقرير هيئة النزاهة الذي أكد استمرار تفشي الفساد بالمغرب، قال بايتاس: “لا يمكن لأي كان أن يعتقد بأنه يحارب الفساد أكثر من أي طرف آخر.. هذه معركة نساهم فيها جميعاً على قدم المساواة.. السلطة التنفيذية والمؤسسات الدستورية التي تشتغل على هذا الموضوع إلى جانب المؤسسة التي أشار إليها السؤال”.
وأضاف بايتاس مستغرباً: “واش الاختصاصات ديال هاد المؤسسة ما فيهاش تخليق الحياة العامة، ما فيهاش ترسيخ الحكامة العامة وثقافة المواطنة العامة؟ وبالتالي أين هو المجهود الذي قامت به المؤسسة في هذه المقتضيات المنصوص عليها بنص الدستور”.
ليختم الناطق باسم حكومة أخنوش قائلا: “من يعرف الفساد ومن يعرف ملفات الفساد يجب أن يذهب للقضاء الذي هو المسؤول الوحيد عن زجر ومحاسبة من يقوم بالفساد”.
تصريحات بايتاس المتشنجة في تلك الندوة حول الهيئة ورئيسها فضحت الكثير من الانزعاج وعدم الارتياح اللذين أصبح أخنوش ووزراؤه ينظرون بهما إلى الراشدي، وهو ما قرئ فيما بعد بأنه محاولة يائسة لفرض “وصاية حكومية” على عمل هيئة دستورية.
بعدها بأيام، ستثار قضية خضوع البشير الراشدي لمراجعة ضريبية، قيل إنها محاولة ضغط بأدوات ناعمة، ما جعل حزب العدالة والتنمية يتحدث عن “استهداف” للرجل رغم أنه قام بتصفية علاقته مع الشركة التي كان يرأسها، بمجرد تعيينه رئيسا للهيئة.
لم يتأكد هذا المعطى بشكل رسمي.. حتى البشير الراشدي فضل عدم تحويل الموضوع إلى “قضية رأي عام”، قبل أن يخرج مصدر ليوضح بأن الإدارة الضريبية اتضح لها بأن الراشدي قام بأداء أكثر مما يلزم، وبالتالي قررت إرجاع المبالغ غير المستحقة.
عموما، جاء التعيين الملكي ليضع نقطة نهاية لحالة توتر غير مسبوقة بين مؤسستين دستوريتين بشكل جعل التعاون بينهما غير ممكن في مواجهة الفساد، فالحكومة لم تكن تنظر بعين الرضى إلى عمل هيئة الراشدي أو بالأحرى كانت تريد منه أن يضع “نظاراتها الوردية” لرصد واقع مجال لا يحتمل مثل هاته الألوان، فيما كان الرجل يحس منذ تعيينه بأنه يتعرض للتضييق في ممارسة عمل لا يقبل إنجازه إلقاء الورود في مسار “منتخبين” لا هم لهم سوى تلميع الصورة للجلوس من جديد على نفس الكراسي.. ولأنه رفض “التطويع” فقد أصبح عمله إلى جانب الحكومة مستحيلا.
رفض “التطويع” وضغوطات الحكومة.. الراشدي يغادر هيئة الرشوة بعد اصطدام قوي مع أخنوش







