أثار إعلان “حكومة عزيز أخنوش” عن إصدار سندات سيادية بقيمة “2 مليار يورو” بهدف تمويل مشاريع البنية التحتية المتعلقة بتنظيم “كأس العالم 2030” جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية والسياسية. هذه الخطوة، التي تمثل أول اقتراض بالعملة الأوروبية منذ خمس سنوات، تأتي في وقت يشهد فيه الاقتصاد المغربي ضغوطًا متعددة، بدءًا من تداعيات التضخم العالمي وارتفاع أسعار الفائدة، مرورا بتباطؤ بعض القطاعات الإنتاجية، وصولًا إلى التحديات الناجمة عن التقلبات المناخية وتأثيرها على القطاع الزراعي، الذي لا يزال يمثل ركيزة أساسية للناتج المحلي الإجمالي.
وبينما تؤكد الحكومة أن هذا التمويل “ضروري لتعزيز قدرات المملكة على استضافة الحدث الرياضي الأضخم عالميًا”، يطرح الخبراء الاقتصاديون تساؤلات مشروعة حول مدى حكمة هذه الخطوة في ظل وضع مالي حساس، وإمكانية أن يؤدي هذا الاقتراض إلى مفاقمة أزمة الديون وزيادة الأعباء المستقبلية على الميزانية العامة. فهل يمثل هذا القرض استثمارًا استراتيجيًا يضمن عائدات اقتصادية مستدامة؟ أم أنه مجرد “مغامرة مالية محفوفة بالمخاطر، قد تجعل الأجيال القادمة رهينة للديون؟
بين الطموح الاقتصادي والمخاوف المالية
تعتمد الحكومة على خطاب اقتصادي تفاؤلي، مؤداه أن استضافة كأس العالم 2030 ليست مجرد حدث رياضي، وإنما “فرصة ذهبية لإعادة تشكيل البنية التحتية للمملكة، وتعزيز جاذبية المغرب كوجهة سياحية واستثمارية عالمية”. ويرى المسؤولون أن هذا الاقتراض يأتي ضمن “رؤية استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحديث المدن المغربية، وتحسين شبكة الطرق والمواصلات، وبناء مرافق رياضية قادرة على احتضان الفعاليات الدولية لسنوات بعد انتهاء البطولة.
لكن هذا الطرح لا يخلو من اكراهات وعقبات، وقد يشكل مغامرة غير محشوبة العواقب.
في هذا السياق، يوضح المحلل الاقتصادي “محمد الرهطوط”، في تصريح لـ”نيشان”، أن “اللجوء إلى الاقتراض لسد نفقات مشاريع غير إنتاجية يشكل ضغطا إضافيا على المالية العمومية، خاصة في ظل ارتفاع الدين الخارجي الذي تجاوز عتبة 100 مليار دولار، أي حوالي 70% من الناتج الداخلي الخام.”
ويضيف “إذا لم يتم استغلال هذا الدين في مشاريع ذات مردودية اقتصادية واضحة، فقد يجد المغرب نفسه أمام تحديات تمويلية أكبر في السنوات المقبلة، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الفائدة لكبح التضخم، ما يمكن أن يدفع بتكلفة خدمة هذا الدين لتصبح أكثر إرهاقًا مما هو متوقع حاليًا”، مما قد يضع المغرب أمام خيارات مالية صعبة في المستقبل.
دروس من تجارب سابقة.. البرازيل وجنوب إفريقيا
في سياق تقييم المكاسب المحتملة لاستضافة المونديال، من الضروري النظر إلى تجارب دول أخرى خاضت التجربة ذاتها، مثل “البرازيل وجنوب إفريقيا”، اللتين استضافتا كأس العالم في عامي 2014 و2010 على التوالي. في حالة البرازيل، “بلغت تكاليف البنية التحتية والإنشاءات الرياضية أكثر من 15 مليار دولار، بينما وجد البلد نفسه بعد البطولة أمام مجموعة من المنشآت الرياضية الضخمة التي أصبحت شبه مهجورة، مع ديون متزايدة أثرت على موازنته العامة”. أما جنوب إفريقيا، فقد أنفقت قرابة “3.6 مليار دولار على تنظيم المونديال، لكنها لم تحقق العائدات الاقتصادية التي كانت تتوقعها، حيث تُركت العديد من الملاعب دون استخدام فعّال بعد انتهاء البطولة، بينما ظلت معدلات البطالة والفقر مرتفعة”.
تثير هذه الأمثلة مخاوف جدية حول مدى قدرة المغرب على “تحويل استثماراته المرتبطة بكأس العالم إلى محركات اقتصادية مستدامة”، بدلًا من أن تصبح مجرد مشاريع مؤقتة تستنزف الموارد المالية دون أن تترك أثرًا ملموسًا على التنمية طويلة الأمد.
التمويل.. هل هناك بدائل أكثر استدامة؟
مع تصاعد الجدل حول مخاطر الاعتماد على القروض، طرحَ “الرهطوط” “إمكانية اللجوء إلى نماذج تمويل بديلة من شأنها تقليل الأعباء على المالية العمومية”. ومن بين هذه البدائل، “تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص عبر منح امتيازات تشغيل طويلة الأمد للمستثمرين المحليين والدوليين الراغبين في تمويل مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالمونديال”.
ويضيف الرهطوط أنه يمكن ايضا اللجوء إلى “آليات التمويل المبتكرة مثل نموذج (BOT) “البناء والتشغيل ثم النقل”، حيث تتولى شركات خاصة بناء المنشآت الرياضية واستغلالها تجاريًا لفترة معينة قبل أن تنتقل ملكيتها للدولة”. هذا النموذج نجح في بعض الدول التي أرادت تطوير بنيتها التحتية دون اللجوء إلى الديون الثقيلة.
من جهة أخرى، يمكن للمغرب التفكير في “آليات تمويل قائمة على الموارد الذاتية، مثل فرض ضرائب مؤقتة على الشركات الكبرى المستفيدة من الحدث، خاصة في قطاعات الفندقة والسياحة والطيران، بحيث تتحمل جزءًا من تكلفة الاستثمارات المرتبطة بالمونديال، بدلًا من تحميلها بالكامل على الميزانية العامة”.
ما بين الطموح والمخاطر.. هل يحسم المغرب رهانه؟
رغم تطمينات الحكومة، فإن قرار اللجوء إلى الاقتراض بهذا الحجم، في ظل بيئة اقتصادية عالمية غير مستقرة، يطرح مخاوف حقيقية حول قدرة المغرب على إدارة ديونه بفعالية. وبينما يرى البعض أن “الفرصة لا تُعوَّض، وأن استضافة كأس العالم ستضع المغرب على خريطة الأحداث الرياضية الكبرى، وتفتح أبوابًا واسعة أمام الاستثمارات الأجنبية”، يحذر آخرون من أن “المغامرة مكلفة، خاصة إذا لم تكن هناك خطة واضحة لضمان استغلال مستدام للاستثمارات المرتبطة بالمونديال”.
في نهاية المطاف، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في كيفية تمويل كأس العالم، بل في قدرة المغرب على استثمار الحدث بشكل يحقق له مكاسب اقتصادية طويلة الأمد، بدلًا من أن يتحول إلى عبء مالي ستدفع الأجيال القادمة ثمنه.







