في خضم أزمة عقارية تخنق العاصمة وتراجع مستمر في المساحات الخضراء، تفجّر خلاف جديد بمجلس جماعة الرباط حول مشروع تهيئة هضبة عكراش، الذي انتقل بسرعة من ورش بيئي يُفترض أنه يندرج ضمن رؤية لتحسين جودة العيش، إلى ملف مشحون بالتوترات السياسية، تُخيم عليه اتهامات بالتكتم وعدم الشفافية، وريبة من توظيفه في سياقات غير معلنة.
مصادر مطلعة حضرت أشغال لجنة التعمير بالمجلس كشفت أن الأجواء داخل الاجتماعات الأخيرة لم تكن عادية، بعدما ارتفعت أصوات منتخَبين طالبوا بالكشف عن كافة تفاصيل المشروع الذي تقول الجماعة إنه يستهدف “تحويل الهضبة إلى فضاء بيئي وترفيهي”، دون أن يتوفر المجلس، إلى حدود اليوم، على أي تصور واضح يجيب عن أسئلة التمويل، الكلفة، طبيعة الدراسات، وهوية الشركاء والمقاولات.
الوثائق التي تم عرضها، حسب نفس المصادر، لم تتجاوز عرضا عاما من مكتب دراسات متعاقد مع الجماعة في صفقة لم تُناقش تفاصيلها أمام المجلس، مما زاد من شكوك الفرق المعارضة، وحتى بعض الأعضاء داخل الأغلبية بدؤوا، بدورهم، يُبدون تحفّظهم على غياب المعطيات الجوهرية، لا سيما في ما يتعلق بمآل الهضبة على المدى المتوسط والبعيد.
وفي ظل غياب المعطيات الرسمية، انتشرت فرضيات متضاربة داخل كواليس المجلس، بين من يرى في المشروع مجرد ورقة انتخابية متأخرة أُطلقت دون استعداد كاف، ومن يعتبره محاولة لإعادة توجيه إحدى آخر المناطق الغابوية بالرباط نحو استثمارات عقارية فاخرة تحت غطاء “المساحات الخضراء”، خصوصا أن الموقع المحيط بالهضبة يعرف ضغطا عمرانيا متزايدا وقربه من محاور حيوية جعله محط أطماع منذ سنوات.
في السياق ذاته، تشير المعطيات أن المساحة التي يشملها المشروع تتجاوز 100 هكتار، لكن لا أثر إلى حدود الساعة لأي إعلان عن فتح البحث العمومي، كما تنص على ذلك المقتضيات القانونية المتعلقة بالمشاريع الكبرى، ولا وجود لدراسة بيئية منشورة، ما يجعل الحديث عن انطلاقة قريبة للمشروع سابقا لأوانه، ويطرح علامات استفهام حول خلفيات التسرع في تسويقه سياسيا من قبل بعض المنتخبين.
في مقابل ذلك، يواصل فريق الأغلبية الدفاع عن المشروع، ويقدّمه كخطوة استراتيجية لإعادة الاعتبار لمدينة تعاني من ندرة الفضاءات الترفيهية البيئية، وكمبادرة لتثمين المجال الغابوي الذي ظل لعقود خارج أي اهتمام حقيقي من طرف الجماعة، مشددين على ضرورة “عدم تسييس ورش تنموي من هذا الحجم”، وهي العبارة التي أصبحت تتكرر كلما احتدمت الأسئلة حول خلفيات المشاريع المثيرة للجدل.
لكن المعارضة لا تُخفي ريبتها. فبالنسبة لأحد المستشارين الذي فضل عدم الكشف عن هوتيه “المطلوب ليس تسييس المشروع ولا التشويش عليه، بل توضيح ما يجري للرأي العام. لأننا نتحدث عن مئات الهكتارات من المجال الطبيعي في قلب العاصمة، لا يمكن أن تُسلَّم بياضا دون نقاش، ودون تحديد دقيق لما سيتم فيه، ومن سيموله، وكيف ستُراقَب أشغاله”.
ويُخشى أن تتسبب هذه الانقسامات داخل المجلس في شلّ المشروع أو تحويله إلى نقطة توتر دائمة، خصوصا أن تجارب سابقة أظهرت كيف يمكن لتغييب النقاش المؤسساتي الجاد أن يؤدي إلى مشاريع مُبهمة تتعثر أو تُفرَّغ من مضمونها، بل وقد تتحول، كما حدث في حالات أخرى، إلى أبواب خلفية لتفويتات موجهة أو صفقات ذات طابع تجاري لا تمت بصلة للمصلحة العامة.
وفي انتظار ما ستكشف عنه الدورات المقبلة للمجلس، يظل مشروع عكراش معلّقا بين شعارات تحسين جودة الحياة، وظلال الغموض التي تُخيم على ملف لا يزال بعيدا عن إقناع المنتخبين والساكنة معا، ولا يبدو أن الطريق أمامه ستكون سالكة ما لم يتم فتح قنوات تشاور موسعة ونشر كافة الوثائق ذات الصلة، وفكّ الارتباط بين التنمية والولاءات السياسية الضيقة، تقول المصادر.







