دخلت المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد على خط ما بات يعرف بـ “فضيحة اختفاء سجل ممتلكات جماعة الدار البيضاء”، وذلك عبر بيان استنكاري وجهت من خلاله انتقادات لاذعة للمسؤولين عن تدبير الشأن المحلي، محملة العمدة نبيلة الرميلي، المنتمية لحزب التجمع الوطني للأحرار، مسؤولية ما وصفته بـ”التستر غير المبرر على وثيقة عمومية تم إنجازها بتمويل من المال العام”.
البيان الذي اطلع عليه موقع نيشان، عبّر عن قلق المنظمة البالغ إزاء ما وصفته بـ”ضياع وثيقة استراتيجية”، تتمثل في سجل الجرد الشامل للممتلكات العقارية التابعة للجماعة، وهو مشروع كلّف ميزانية الجماعة ملايين الدراهم، وأشرفت عليه شركة الدار البيضاء للتراث بشراكة مع مكتب دراسات خاص، منذ عهد العمدة الأسبق محمد ساجد.
وبينما لم يُدرج السجل المذكور ضمن محاضر تسليم السلط بين المجالس المنتخبة المتعاقبة، فإن تصريحات متضاربة للمسؤولين السابقين والحاليين زادت من حجم الغموض، وسط غياب أي توضيحات رسمية من الجماعة أو السلطات الوصية.فقد أكد الحسين نصر الله، نائب العمدة المكلف بالممتلكات، أن العمدة الحالية لم تتوصل بأي نسخة من السجل خلال عملية تسليم السلط، معتبراً ذلك “أمراً غير مفهوم وخطير.”
في المقابل، أوضح عبد الصمد حيكر، النائب الأول للعمدة السابقة، أن المجلس السابق “اطّلع” على السجل دون أن “يتسلمه” رسمياً، ما يضع الوثيقة في خانة “الفراغ الإداري” ويثير مخاوف من احتمال ضياعها أو التلاعب بمضامينها.
المنظمة الحقوقية رأت في هذه الواقعة أكثر من مجرد خلل إداري، ووصفتها بـ”أزمة ثقة حقيقية في تدبير المال العام”، مشددة على أن تغييب أو إخفاء وثيقة ممولة من المال العام يدخل في نطاق “الإهمال الجسيم وربما التستر المتعمد”.
واعتبرت أن غياب المحاسبة في مثل هذه الملفات يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، ويهدد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، رفعت المنظمة سلسلة من المطالب العاجلة، أبرزها فتح تحقيق قضائي وإداري لتحديد المسؤوليات، وتدخل المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، إضافة إلى إحالة الملف على المجلس الأعلى للحسابات من أجل افتحاص شامل لصفقة إعداد السجل، والتحقق من مدى احترام إجراءات التسليم النهائية.
كما شددت المنظمة على ضرورة تعليق صرف مستحقات مكتب الدراسات إلى حين اتضاح الحقيقة، ورقمنة نسخة من السجل وإيداعها لدى المحافظة العقارية كإجراء وقائي، داعية إلى توثيق وتسليم الوثائق العمومية مستقبلاً عبر محاضر رسمية، ونشر نتائج التحقيق للرأي العام، تطبيقاً للقانون 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.
من جهة أخرى، اعتبرت الهيئة الحقوقية ذاتها أن ما جرى “ليس حادثاً عرضياً، بل نموذجاً صارخاً لغياب الشفافية، وهشاشة آليات الحكامة”، في مدينة تعد من أهم وأكبر الحواضر الاقتصادية في المملكة. وأكدت أنها ستباشر خطوات قانونية وحقوقية، تشمل مراسلة الجهات الرقابية والنيابية المختصة، كما ستواكب الملف إعلامياً إلى حين الكشف الكامل عن ملابساته.
ودعت المنظمة جميع الفاعلين، من مؤسسات وهيئات مجتمع مدني ومواطنين، إلى تحويل هذه الفضيحة إلى نقطة تحول في التعاطي مع تدبير الممتلكات العمومية، قائلة إن “الأمر لا يتعلق بسجل اختفى، بل بمبدأ دستوري، وبحق أمة كاملة في معرفة من يملك ومن يدير، ومن يعبث بما هو مشترك”.







