في الوقت الذي تهاوت فيه أسعار النفط في السوق الدولية إلى أدنى مستوياتها منذ أربع سنوات، مكتفية بما دون 63 دولارا للبرميل بفعل تراجع الطلب العالمي وتفاقم التوترات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، لم يجد المواطن المغربي من “كرم” شركات توزيع المحروقات إلا تخفيضا خجولا لا يتجاوز 20 سنتيما ( ربعة دريال) في سعر اللتر، وهو ما اعتبره خبراء ومستهلكون “استفزازا حقيقيا” للقدرة الشرائية، وضربا صارخا لمبدأ التفاعل مع السوق العالمية.
وبينما كان المغاربة ينتظرون تخفيضات ملموسة تعكس هذا التراجع العالمي، فُوجئ الرأي العام بإعلان شركات توزيع، وعلى رأسها شركة “إفريقيا”، عن خفض طفيف في أسعار الغازوال والبنزين، بدأ سريانه اعتبارا من اليوم الأربعاء 16 أبريل 2025، ما فتح الباب أمام موجة انتقادات لاذعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وداخل الأوساط الحقوقية والنقابية.
خبير : “تحرير الأسعار انحرف عن مقصده الأصلي”
وفي اتصال هاتفي مع موقع “نيشان“، اعتبر الخبير الاقتصادي محمد الرهطوط أن التخفيض المعلن “لا يعكس بأي حال من الأحوال واقع الأسعار العالمية”، مشيرًا إلى أن “المغرب يعيش اليوم حالة من الانفصال الكلي بين السعر الدولي وتكلفة البيع بالتقسيط داخل محطات الوقود، بسبب هيمنة شبه مطلقة لعدد محدود من الفاعلين، وغياب تدخل الدولة في تنظيم السوق”.
وأضاف الرهطوط: “عندما حررت الحكومة السابقة سوق المحروقات سنة 2015، وعدت بأن السوق سيعرف منافسة ستؤدي إلى تخفيض الأسعار، لكن ما حدث هو العكس تماما. اليوم نتحدث عن ربح صافٍ يتجاوز 2.5 درهم للتر الواحد لدى بعض الشركات، وهو رقم مبالغ فيه ويضر بالاقتصاد الوطني قبل أن يضر بالمستهلك”.
معطيات مرجعية تُدين الصمت الرسمي
تشير معطيات مهنية إلى أن أسعار الغازوال في السوق المتوسطية – المرجعية الرئيسية لواردات المغرب – بلغت في الأسبوع الثاني من أبريل حوالي 5.20 دراهم للتر الواحد، بينما لم يتجاوز سعر البنزين 4.90 دراهم، وهو ما يُفترض أن ينعكس بشكل مباشر على الأسعار النهائية لدى المستهلك، إذا ما تم اعتماد هامش ربح واقعي.
لكن الأسعار في محطات الوقود لا تزال تفوق 10 دراهم للتر بالنسبة للغازوال، وما بين 11.90 و13.20 درهمًا للبنزين، وفقًا لرصد يومي تقوم به الجامعة المغربية لحماية المستهلك، ما يطرح أسئلة حقيقية حول مدى التزام شركات التوزيع بروح المنافسة، ودور مجلس المنافسة في ضبط السوق.
وفي هذا السياق، عبّرت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك في بلاغ سابق بحر الأسبوع عن “قلقها البالغ من التلاعب بأسعار المحروقات”، داعية إلى “وضع حد لحالة الفوضى التي تعرفها السوق الوطنية، من خلال تفعيل قانون حرية الأسعار والمنافسة بما يضمن حماية المستهلك من تغوّل بعض الفاعلين الاقتصاديين، بالإضافة الى ربط سعر المحروقات في المغرب بالأسعار الدولية”.
“الربح الدائم” مقابل “الخسارة الدائمة” للمواطن/ المستهلك
وتُطرح أسئلة عديدة اليوم حول ما إذا كانت بعض الشركات تتعامل مع السوق بمنطق “الربح فقط”، كما أشار إلى ذلك الحسين اليماني، رئيس جبهة إنقاذ مصفاة “سامير”، الذي انتقد في تصريحات إعلامية “استمرار تحكم نفس الشركات في مفاصل السوق”، متسائلًا: “هل الانحباس المؤقت في الواردات بسبب اضطرابات البحر سيتحول إلى ذريعة جديدة لتبرير أسعار غير منطقية؟ أم أن الفاعلين في هذا القطاع لا يعترفون سوى بالفعل “نربح ” ؟”.
ودعا اليماني إلى ضرورة مراجعة شاملة لسياسة تحرير الأسعار، التي وصفها بـ”الخطأ القاتل”، مشددًا على أهمية العودة إلى التكرير المحلي من خلال إعادة تشغيل مصفاة “سامير”، التي كانت توفر أكثر من 60% من حاجيات السوق قبل توقيفها سنة 2015.
“تحرير الأسعار” أم “تحرير الأرباح”؟
من جهته، يرى “الرهطوط “أن الإشكال لا يكمن في مبدأ التحرير بحد ذاته، بل في غياب “آليات مصاحبة تضمن حماية السوق من الاحتكار والتلاعب”، مضيفًا: “في التجارب الدولية الناجحة، يتم تحرير السوق ضمن إطار شفاف، مع رقابة صارمة، ومحاسبة دورية. أما في المغرب، فالسوق حُررت ثم تُركت لجشع الشركات، دون حماية للمستهلك ولا محاسبة للمخالفين”.
ودعا الرهطوط إلى سحب ملف المحروقات من اختصاص مجلس المنافسة، الذي وصف أداءه بـ”المرتبك”، واستبداله بـ”وكالة وطنية مستقلة لتقنين أسعار الطاقة، تعمل وفق آليات واضحة، وتُلزم الشركات بالإفصاح الدوري عن هوامش ربحها”.
في انتظار الفعل.. المواطن يدفع الثمن
وسط كل هذه المؤشرات، يبقى المواطن المغربي هو المتضرر الأكبر، في ظل غياب سياسة وطنية واضحة لاحتواء آثار تقلبات السوق العالمية على قدرته الشرائية. ففي حين تتفاعل الدول المجاورة بسرعة مع تحولات أسعار النفط من خلال تعديلات دورية للأسعار، لا يجد المغاربة سوى وعود متكررة، وخطابات فضفاضة، وتخفيضات رمزية.







