رغم الانتقادات الحادة التي طالت الموسم الأول من برنامج “جام شو”، المخصص لاكتشاف مواهب الراب في المغرب، بسبب تضمن بعض حلقاته، إيحاءات جنسية واضحة في أغاني المرشحين، وعبارات نابية، وكلمات وُصفت بالمسيئة للمرأة، قررت القناة الثانية المضي قدمًا في التجربة، وأطلقت مؤخرًا الموسم الثاني من البرنامج وسط جدل لا يهدأ حول حدود حرية التعبير في الإعلام العمومي.
عودة “جام شو”، الذي يعرض مساء كل ثلاثاء على قناة “دوزيم”، تأتي بعد عام من موجة استياء واسعة، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن البرنامج لا يراعي الخصوصية الثقافية والأخلاقية للمجتمع المغربي، ويكرس نموذجًا فنيًا يتعارض مع القيم الأسرية، خاصة وأن بثه يتم في وقت الذروة، حين تكون الأسر مجتمعة حول شاشات التلفزيون.
وسبق للموسم الأول أن أثار جدلا حادًا بعد مشاركة مغنيي راب معروفين بإثارتهم للجدل، مثل “الغراندي طوطو” و”ديزي دروس”، واللذَين ظهرا في حلقات سابقة بأداء تضمن كلمات جريئة اعتبرها البعض “تحريضًا على العنف اللفظي”، خصوصًا تجاه النساء. كما لم يغب عن الذاكرة المغربية مشهد صعود طوطو سابقًا على أحد المسارح في الرباط، متفوهًا بعبارات نابية أمام جمهور من المراهقين، ما أثار حينها نقاشًا حول مسؤولية وزارة الثقافة في تأطير الذوق الفني.
في هذا السياق، عرفت النسخة الجديدة من البرنامج بعض التعديلات الشكلية، أبرزها استبعاد الأسماء المثيرة للجدل من لجنة التحكيم، وتعويضها بأخرى مثل “دون بيغ”، و”شوبي”، و”المورفين”، مع الإبقاء على نفس الصيغة التنافسية، المتمثلة في اختيار أربعة مشاركين من أصل 26 متسابقًا، سيتنافسون على مدار ستة أسابيع، للفوز بلقب وجائزة مالية تقدر بـ25 مليون سنتيم.
ويقول بيان ترويجي صادر عن القناة إن البرنامج يسعى إلى “تكريس ثقافة الراب المغربي وتثمين تنوعه الفني”، إلا أن متابعين يرون أن “جام شو” لا يزال بعيدًا عن تقديم نموذج فني ناضج، وأنه يعتمد في جاذبيته على “الكلاشات” اللفظية، والمفردات المستفزة، والرهان على جرأة المتسابقين بدل جودة النصوص.
وتعليقا على مشاركة “دون بيغ” في لجنة التحكيم، كتب الأخير على حسابه في إنستغرام: “أشعر بالفخر لأنني قمت بتوجيه هؤلاء الأفراد الرائعين ومشاركة هذه الرحلة معهم”، في حين يرى البعض أن وجود أسماء فنية مثل “بيغ” قد يساهم في إعادة التوازن إلى محتوى البرنامج، بشرط أن يكون هناك ضبط حقيقي لمضامين الحلقات.
جدير بالذكر أن الموسم الأول من “جام شو” تُوّج فيه الرابور نزار، وهو شاب من مدينة العرائش، بعدما نافس في البرايم النهائي كلًا من “أوطاط” و”بلوميير” و”6win”. غير أن تتويجه لم يكن كافيًا لامتصاص الغضب الذي خلفته بعض حلقات البرنامج، التي اعتُبرت من قبل فئات واسعة من الجمهور، بمنزلة “اختراق للبيوت المغربية عبر بوابة الفن المُبتذل”.
في المقابل، يرى بعض المهتمين بالمشهد الفني أن الراب، بما فيه من جرأة، يمثل صوت جيل جديد يعيش تحولات عميقة، ويعبّر عن واقعه كما هو، بلغة مباشرة دون تزويق. غير أن الجدل الحقيقي لا يتعلق بالراب كفن قائم بذاته، بل باحتضانه من طرف قناة تمول من المال العام، ما يجعل مسؤولية الاختيار والمحتوى مضاعفة، أمام أسئلة كبرى تتعلق بالذوق العام، وحرية التعبير، وحدود الفن في إعلام عمومي يفترض أن يعكس تنوع وعمق الثقافة المغربية.







