في الوقت الذي يتهيأ فيه المشهد السياسي المغربي لاحتمالات مفتوحة بشأن موقع حزب التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات المقبلة، بدأ محمد الصديقي، وزير الفلاحة السابق وعضو المكتب السياسي للحزب، في تكثيف تحركاته داخل الهياكل التنظيمية والفضاءات الفكرية القريبة من الحزب، في خطوة اعتبرتها مصادر على أنها محاولة لإعادة التموقع بعد خروجه من الحكومة في التعديل الحكومي الأخير.
الصديقي، الذي يوصف داخل أوساط الحزب بـ”العلبة السوداء” لعزيز أخنوش، نظرا لقربه الكبير من رئيس الحكومة الحالي وتوليه مسؤوليات تنفيذية مركزية في قطاع الفلاحة طيلة السنوات الماضية، عاد إلى الواجهة من خلال مشاركته في ندوة فكرية نظمتها شبكة الأساتذة الجامعيين التجمعيين نهاية الأسبوع المنصرم بمدينة الدار البيضاء، حول تحديات تدبير الموارد المائية، إلى جانب عدد من الوجوه البارزة داخل الحزب، بينها نبيلة الرميلي، عمدة المدينة.
وتقول مصادر مطلعة إن هذا الظهور العلني لم يكن مجرد حضور عابر بصفته عضوا في المكتب السياسي، بل يأتي في سياق تحرك محسوب يسعى من خلاله الصديقي إلى الحفاظ على مكانته داخل الحزب، في ظل متغيرات تنظيمية وسياسية تشهدها “الحمامة” في الآونة الأخيرة، خاصة بعد النتائج القوية التي حققها الحزب في الانتخابات الجزئية، والتي أعادت إليه جرعة من الثقة في ظل تراجع مؤشرات الشعبية المرتبطة بتدبير الشأن العام.
ويُرجح من جهة أخرى أن يكون الصديقي بصدد تهيئة الأرضية للعب أدوار مستقبلية داخل الحزب، إما من موقعه التنظيمي أو عبر موقع تنفيذي محتمل، خصوصا وأن مصادر من داخل الأحرار تؤكد أن الرجل لم يُغادر المشهد تمامًا، بل ظل يحتفظ بحضوره في دوائر القرار غير العلنية، ويُستشار في عدد من الملفات التقنية المتعلقة بقطاع الفلاحة والماء، الذي راكم فيه خبرة تمتد لعقود، خصوصا أنه مهندس سابق وترأس المعهد الوطني للبحث الزراعي، قبل أن يُعين كاتبًا عامًا للوزارة سنة 2014، ويُرقى إلى منصب وزير سنة 2021.
الصديقي الذي لم يُعرف بانتماء سياسي قبل الانتخابات التشريعية الماضية، وجد نفسه ضمن لائحة المرشحين “التكنوقراط” الذين صُبغوا بألوان الأحرار، وتم تقديمهم كواجهة للنجاعة والخبرة التقنية. ورغم هذا المسار، فقد استطاع نسج علاقات قوية داخل الحزب، وراكم رصيدا داخليًا، سواء من حيث قربه من أخنوش أو من خلال إسهامه في تنزيل البرامج الكبرى التي أطلقتها الوزارة، من قبيل المخطط الأخضر”، وكدا استراتيجية “الجيل الأخضر”، التي استُعملت كرافعة تواصلية في الحملات الانتخابية.
وتشير تسريبات من داخل محيطه إلى أن الرجل لم يتقبل بسهولة قرار إعفائه من المنصب الحكومي، والذي جاء مفاجئًا حتى لبعض المقربين منه، خاصة أن الفترة التي سبقت التعديل الوزاري لم تكن تشي بأي إخفاق كبير في القطاع الذي كان يُشرف عليه، وهو ما عزز التأويلات بشأن وجود توازنات سياسية داخل الحكومة كان لا بد من مراعاتها، حتى وإن كانت على حساب كفاءات تقنية.
ويؤكد أحد القياديين الشباب في الحزب، رفض الكشف عن هويته، أن “الصديقي من القلائل الذين يعرفون خبايا وزارة الفلاحة بالتفصيل، وله علاقات وازنة مع المؤسسات الدولية العاملة في المجال، كما يتمتع بثقة دوائر القرار العليا”، مضيفًا أن “خروجه من الحكومة لا يعني بالضرورة نهاية مساره، بل قد يكون جزءا من إعادة توزيع الأدوار داخل الحزب استعدادًا للمرحلة المقبلة”.







