تعيش جهة فاس مكناس حالة غليان غير مسبوقة في صفوف مربيات ومربي التعليم الأولي، وسط تزايد حدة التوتر بين العاملين في القطاع والجمعيات التي تدبر أقسام التعليم الأولي بعقود تفويض من الوزارة. مصدر السخط المتصاعد، وفق معطيات متطابقة، يعود إلى ما تصفه الشغيلة بـ”حالة التهميش والتجاهل الممنهج”، حيث يجد المربون أنفسهم محاصرين بسلسلة من المهام الإدارية والتسويقية الخارجة عن نطاق عملهم التربوي، دون اعتراف قانوني بوضعيتهم المهنية، أو تحسّن ملموس في أوضاعهم المادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، تفجّرت موجة احتجاجات جديدة عقب فرض ما يُسمى “الأبواب المفتوحة” من طرف المؤسسة المغربية للتعليم الأولي، وهي مهام وصفتها مصادر ميدانية بـ”حملات دعائية مجانية” تُستغل فيها الشغيلة لتسويق المؤسسة لدى الأسر، دون مراعاة لكرامتهم أو مسؤولياتهم التربوية. الوضع لم يتوقف عند هذا الحد، إذ لجأت مؤسسة زاكورة بدورها إلى تكليف المربين بإجراء إحصاءات ميدانية تشمل الأطفال وأولياءهم، في ظل غياب أي تأطير قانوني، وهو ما أثار تخوفات من تعريض الأطر لمخاطر مهنية وإنسانية غير مبررة.
مصدر مطلع أفاد بأن الوضع يتجه نحو مزيد من التأزم، خصوصًا بعد تعميم تطبيق رقمي من طرف إحدى الجمعيات لتقييد حضور المربين داخل الأقسام وتتبع أدائهم اليومي، ما اعتُبر من طرف الشغيلة خطوة جديدة نحو مزيد من الرقابة دون ضمانات أو حقوق مقابلة.
في خضم هذا الوضع، خرج تنسيق نقابي جهوي يضم خمس نقابات رئيسية (UMT، CDT، FNE، FDT، UNTM) ليرفع الصوت عاليًا، معلنًا رفضه لما اعتبره “تماديًا في استغلال الشغيلة” ومطالبًا بالإدماج الفوري في أسلاك الوظيفة العمومية بموجب القانون الإطار 51.17، إضافة إلى الرفع العاجل من الأجور، وإلغاء جميع المهام الخارجة عن الإطار التربوي.
كما دعا التنسيق ذاته إلى إرجاع المربيات والمربين المطرودين من طرف المؤسسة المغربية للتعليم الأولي بإقليم تاونات، وإنصاف الأستاذة “صليحة” التي تعرضت لحادث شغل تسبب لها في إجهاض وعاهة مستديمة، وأيضا المربي الذي أصيب بشلل إثر حادث مهني بنفس الإقليم. وشدّد البيان، الذي حصلت الجريدة على نسخة منه، على ضرورة وقف التكوينات خلال العطل، واحترام الحق في الراحة والتوازن المهني.
وإلى جانب هذه المطالب، وجّه التنسيق دعوة مفتوحة إلى عموم العاملين والعاملات في التعليم الأولي للانخراط في المحطات النضالية المقبلة، وعلى رأسها المشاركة القوية في تخليد فاتح ماي، مع التأكيد على الاستعداد لخوض معارك ميدانية نوعية للرد على ما أسماه “العبث والإذلال الممارس في حق الشغيلة”.
ويضع هذا الوضع وزارة التربية الوطنية أمام اختبار جديد يتعلق بمستقبل ورش التعليم الأولي الذي لا يزال، رغم ما يُضخ فيه من شعارات الإصلاح، يرزح تحت وطأة الهشاشة والتسيير المفوض بلا رقابة، ما يطرح أسئلة عميقة حول مدى جدية الدولة في إيجاد حلول منصفة لهذه الفئة، بالتوزاي مع تحقيق الجودة المنشودة.







