مازال الجدل الذي أثارته كلمة محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، خلال حضوره فعاليات الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني التاسع لحزب العدالة والتنمية، يتفاعل بقوة في الأوساط السياسية والثقافية، بعدما تحدث عن شعوره بالانتماء إلى العروبة والإسلام خلال أداء فرقة “السهام” لأغنية حول القضية الفلسطينية، معتبراً إياها لحظة استحضار للبعد الحضاري مع “الإخوان في الشرق”. هذا التصريح، الذي أتى من زعيم حزب لطالما قدم نفسه كمدافع شرس عن القضية الأمازيغية، فجّر سيلاً من الانتقادات، لا سيما من جانب فعاليات أمازيغية اعتبرت كلام أوزين خيانة لروح الحزب وانحرافاً عن خطه التاريخي.
وفي آخر التطورات، خرج المؤرخ والباحث الأمازيغي عبد الحق كُلاب في مقطع فيديو جديد، يرد فيه على الرسالة المفتوحة التي وجهها إليه أوزين، والتي تتوفر “نيشان” على نظير منها، حيث هاجم فيها هذا الأخير بشدة ما اعتبره تقزيماً للهوية المغربية وطمساً لتعدد روافدها الحضارية، متعهداً بالرد هذه المرة على الحزب، بعدما قرر أوزين أن يرد عليه بصفته الحزبية وليس الشخصية، رغم أن الانتقاد الذي وُجّه إليه كان بصفته كفاعل فردي.
وكان أوزين قد دافع بشراسة في رسالته عن كلمته المثيرة للجدل، معتبراً أن كلاب لجأ إلى خطاب “إقصائي” اختزل الهوية المغربية في مكون واحد وأقصى بقية الروافد، في إشارة إلى الأمازيغية مقابل العربية. وأكد أن المغرب، عبر تاريخه الطويل، لم يعرف الإقصاء أو التعصب العرقي، بل كان أرض تلاقح حضاري امتزجت فيه الثقافات، مشيراً إلى أن تصريحاته حول الانتماء إلى العروبة لا تتناقض مع العمق الأمازيغي للمغرب.
وانتقد أوزين ما اعتبره “قراءة أحادية” للتاريخ من طرف كلاب، وقال إن الأخير لم يستحضر لا سياق الكلمة ولا مناسبة اللقاء الحزبي، وركّز فقط على مقطع مقتطع من كلمة شاملة ومترابطة الفقرات. واستغرب من أن كلاب، الذي وصفه بـ”الباحث المستحدث”، لم يستخدم الأمازيغية في نقده رغم دفاعه عنها، ودعاه إلى مناظرة فكرية داخل أكاديمية لحسن اليوسي، الذراع الفكري للحزب، لفتح نقاش مؤسَّس حول سؤال الهوية المغربية.
أوزين حرص من خلال الرسالة، التي حملت شعار الحزب وتوقيعه كأمين عام، على التأكيد أن الحركة الشعبية بُنيت على أطروحات واضحة، تجمع بين العمق الديني والثقافي والحقوقي والسياسي، وتؤمن بالأمازيغية كمكون أصيل ضمن هوية مغربية موحدة لا تقصي أيًّا من روافدها. وقال إن الحزب لا يُمارس الإقصاء ولا يسمح به، ويقف ضد كل أشكال التطرف، سواء كانت باسم الدين أو العرق أو الحريات الفردية.
وفي الوقت الذي اعتذر فيه أوزين عن “قسوة بعض الفقرات”، إلا أنه شدد على أن الرد كان ضرورياً لتنوير الرأي العام ورفع ما سماه “غشاوة سوء القراءة”، مؤكداً أن الحركة الشعبية ترفض كل خطاب يسعى إلى تقسيم المغاربة أو نفي بعضهم لبعض.
الجدير بالذكر أن عدداً من الفعاليات الأمازيغية الأخرى انضمت إلى موجة الانتقادات، على غرار الناشط عمر إفضن، الذي كتب أن حزب الحركة الشعبية لم يقطع يوماً مع ازدواجية الخطاب، معتبراً أن هذا النوع من التصريحات يُعيد إنتاج خطاب الهيمنة العروبية التي طالما ناضلت الأمازيغية للتحرر منها.
وتتساءل المصادر حول ما إذا كانت هذه العاصفة ستنتهي عند حدود التراشق الإعلامي والفكري، أم أنها ستتحول إلى أزمة سياسية داخل البيت الحركي نفسه، خاصة وأن رمزية الخطاب ومكانه أحرجا قيادة الحزب في لحظة كانت تُعوّل فيها على استعادة بعض بريقها في المشهد السياسي الوطني على بعد اشهر قليلة من الاستحقاقات الانتخابية لعام 2026.







