ليست المرة الأولى التي يستعين فيها بنكيران بالحمير لقصف خصومه، بعد أن سبقه إلى ذلك شباط، الذي نظم مسيرة للحمير، ما جعل هذا الحيوان دائم الحضور في الخطاب السياسي، على الأقل لدى الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.
عبد الإله بنكيران سبق ووصَف رشيد طالبي العلمي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، بـ”الميكروب”،
بعد أن نعته هذا الأخير بـ”الحلايقي” و”الذيب الشارف”.
وقال: “ماكنتيش راجل فوقت الرجلة”.
وتابع بنكيران موجهاً كلامه للطالبي: “واش خلّصت الديون والشيكات دون رصيد؟… نتا عيب تكون فالسياسة”، قبل أن يستشهد بمثل لوالدته يقول: “كبرنا بالحمار ودرنا له هندقة هرنط”.
وأضاف بنكيران: “يلا سميتيني ذيب شارف، نتا غير حمار، مع كامل احترامي للحمار، ويسامحونا الحمير يلا عايرناهم هاد النهار”.
هذا التراشق ليس طارئاً على الخطاب السياسي المغربي، فقبل ذلك عاين المغاربة مشاهد لبطون عارية داخل البرلمان، وتحويراً لكلمات ليصبح لها مدلول جنسي فاضح، وتراشقاً باتهامات الفساد والقذف والسب، وهي مشاهد وأدوات أصبحت دائمة الحضور لتصريف الخطاب بين السياسيين المغاربة، خاصة تحت قبة البرلمان وفي المهرجانات الخطابية.
هذه الحروب التي تُوظف فيها كلمات تنهل من قاموس الشارع، في استغلال لمواقع التواصل الاجتماعي لاستعراض العضلات بين الحكومة والمعارضة أمام الرأي العام، انفلتت وأصبحت بدون مكابح، وهو ما جعل عدداً من المتتبعين يحذرون من تداعياتها الخطيرة على ما تبقى من صورة السياسي لدى المواطن، وهو ما يمكن أن يجد لاحقاً ترجمة في شكل رسالة واضحة وقاسية، من خلال استقطاب جزء مهم من المغاربة للائحة المقاطعين لصناديق الاقتراع.
والواقع أن السياسيين المغاربة يستخفون بعقلية المغاربة من خلال توظيف لغة تنهل من الشعبوية، وتغرق في السوقية والانحطاط، سواء تعلق الأمر بالحكومة أو المعارضة، اللتين تتسابقان في استعمال لغة وأساليب لن يكون صداها السلبي مقتصراً على المواطن، بل ستطال أيضاً صورة المغرب على المستوى الإقليمي والدولي، بسبب هذه الممارسات التي كان المغاربة يشاهدونها فقط لدى بعض الدول.
سلوك سيرفع من نسبة المقاطعة، خاصة لدى عدد مهم من المغاربة ممن فقدوا ما تبقى لهم من أمل في الفعل والفاعل السياسي، كما سيحد من مفعول أي عملية لتحفيز المواطن على المشاركة الانتخابية، بفعل الصورة التي راكمها السياسي المغربي، والتي أصبحت جد مهزوزة، علماً أن ضعف نسب التصويت سيطرح سؤال مشروعية المؤسسات التي ستفرزها الصناديق.
كما أن تمادي السياسيين المغاربة في تصريف خلافاتهم بأساليب تغرف من الابتذال والسوقية سيؤثر أيضاً وبشكل مباشر على مصداقية الخطاب الرسمي ومؤسسات الدولة.
المواطن الذي لم يعد يميز بين الخطاب الرسمي والخطاب الشعبي، ولا يميز بين ما يجري في المقاهي وما يجري تحت قبة البرلمان من نقاشات.
ويرى عدد من المتتبعين أن الإفراط في استعمال الألفاظ السوقية والكلمات المبتذلة من طرف السياسيين، وخاصة منهم القياديين، هو محاولة للتغطية على العجز الذي تعاني منه هذه الأخيرة، ومحاولة لتهريب الأزمات الداخلية التي تعاني منها عدد من الهيئات، بفعل الصراعات حول المناصب.
وعوض المقارعة بالبرامج والأفكار الخلّاقة القادرة على طرح بدائل جريئة، فإن الأغلبية والمعارضة أصبحتا في سلة واحدة من حيث السقوط في الفعل ورد الفعل، وهو ما يجعلنا نرفع تحذيرات من كلفة ذلك، ومن وقعه على نسبة المشاركة.
واللافت أن غرق الأحزاب في هذه الحروب يتناقض مع أهم أسباب وجودها والمتمثل في تأطير المواطن، وإحداث وعي سياسي لديه، حيث يُسجّل حالياً غياب الأحزاب، وهو ما أحدث حالة فراغ، بحكم أن الأحزاب لم يعد لها علاقة مباشرة بالمواطنين، ما يطرح تخوفات كبيرة حول نتائج ذلك في ظل انحسار دورها، وانشغالها بالهاجس الانتخابي والمكاسب السريعة، دون أي مبادرة لتحسين صورتها وعلاقتها بالمواطن.







