تابعت بإمعان كلمة رئيسة المجلس الاعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الجديدة الدكتورة رحمة بورقية ، في أول جمعية عامة يعقدها المجلس، فوجدتها كلمة غاب عنها الطابع التقني والقضايا الجزئية ، فكانت كلمة مباشرة مكثفة بالتوجهات الكبرى ، وبنبرة يطبعها التوجيه والتحذير من نفاذ زمن الاصلاح دون تحقق أهدافه ولعل أقسى عبارة وردت في الكلمة بعد توصيف الواقع قولها لن يتحقق الاصلاح ” دون استهداف ما هو بنيوي لأننا استنفدنا زمن الاصلاح وأضحى هذا المفهوم يفقد معناه “.
وإذا ما علمنا أن زمن الاصلاح دخل خماسيته الأخيرة ( 2015- 2030) فإن دق ناقوس الخطر في هذا التوقيت بالذات الذي يفترض أن تكون المنظومة التربوية قد حققت فيه قدرا من التراكمات والمكتسبات بعد مرور عشر سنوات من زمن الاصلاح ،
فإن هذه النبرة غير المسبوقة في توصيف الوضعية هي نذير شؤم وتوجس من التأخر الكبير الحاصل في الإنجاز ، في انتظار تقويم علمي تنجزه هيئة التقييم بالمجلس، والتي كانت تديرها الرئيسة الحالية للمجلس ، والتي لا أشك أنها تضع التقويم في قمة أولوياتها، في أفق التسريع والتعبىئة والتطوير والتجويد المنشود في ظل التحولات العالمية القيمية والرقمية والبيداغوحية والاقتصادية التي يعرفها العالم ، تقييم “موضوعي لا يزعج ولا يجامل” بتوصيف رئيسة المجلس, يجعل من القانون الإطار مرجعيته ومعياره،
تقويم ينبغي أن ينصب بالأساس على المخطط التشريعي المتعثر، وغياب الحكامة في التنزيل سواء تعلق الأمر بالتنسيق بين القطاعات الحكومية ( انعقاد اللجنة العليا للعبه إصلاح المنظومة اللي يرأسها رئيس الحكومة التي لم تعقد إلا اجتماعا يتيما من أصل 8:اجتماعات كانت متوقعة خلال أربع سنوات ) أو تفعيل آليات الحكامة التي ينص عليها القانون الإطار ( اللجنة الدائمة للبرامج والمناهج – المجلس الوطني للبحث العلمي- الاطتر الوطني للإشهاد أنموذجا ).
أو في النموذج البيداغوجي المعمول بها والذي يعرف تعثرات كبرى في ظل غياب التفكير في نموذج بيداغوجي مبتكر يستجيب للتحولات الكبرى ، عوض الاغراق في تجريب نماذج بيداغوجية لتدارك التعثراث التي هي في الاصل إفراز طبيعي لنموذج بيداغوجي استنفذ أغراضه ولا يمكن إصلاحه،
إن الاغراق في التدبير القطاعي للمنظومة عن طريق عزل مكوناتها الثلاث عن بعضها ( التربية الوطنية – التكوين المهني – التعليم العالي والبحث العلمي) عوض الاشتغال بمنطق المنظومة وهو التحول الكبير الذي جاءت به الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار ، والناتج عن تعثر آليات الحكامة ، وإن سياسة التجريب والقطائع في البرامج والتي حالت دون تحقيق التراكم المنشود في الإصلاح ، بالإضافة تأخر التقييم المرحلي للوضعية الذي كان من المفترض أن ينجزه المجلس الاعلى كل ثلاث سنوات طبقا للقانون.
كل ذلك ساهم في الوصول الى هذه الوضعية المقلقة لمسار الاصلاح بالتوثيق الوارد في كلمة رئيسة المجلس ، والتي نبهنا إليها كما نبه إليها عدد من المتتبعين والفاعلين المواكبين لهذا المشروع منذ انطلاقه تنظيرا وتنزيلا.
فهل يكون هذا التنبيه الحاد من طرف رئيسة أعلى هيئة دستورية مكلفة بهذا الملف كافية لتعبئة الطاقات من جديد لاستدراك ما يمكن استدراكه أم إنها لن تكون الا صيحة في واد ونفخة في رماد منظومة مهددة بالاحتراق لا قدر الله.







