في خطوة أحادية أثارت ردود فعل متباينة، دشّن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا، رسميًا، النظام الجديد للحدود الذكية في مدينة مليلية المحتلة، وهو أول نظام من نوعه يُفعَّل على حدود الاتحاد الأوروبي، ضمن مخطط أوسع لتطبيق آلية الدخول والخروج الأوروبية (EES) نهاية العام الجاري.
ويسعى هذا النظام إلى مراقبة وتسجيل دخول وخروج المسافرين غير المنتمين لدول الاتحاد الأوروبي، بما فيهم المغاربة، وتخزين بياناتهم البيومترية في قاعدة بيانات أوروبية مشتركة، في خطوة قالت مدريد إنها تهدف إلى “تعزيز الأمن” ومكافحة ما تصفه بـ”الهجرة غير النظامية”. لكن بالنسبة للعديد من المراقبين المغاربة، فإن هذه الخطوة تأتي ضمن مسار واضح لمحاولة تكريس واقع الاحتلال وتعزيز السيطرة التقنية على معبر بني أنصار الرابط بين الناظور ومليلية.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام اسبانية، فإن النظام الجديد يعتمد على كاميرات ذكية، ومسح بصمات الأصابع، والتقاط صور رقمية دقيقة، لتحديد هوية كل شخص يعبر المعبر الحدودي، دون الحاجة إلى ختم جواز السفر يدويًا. كما تُخزن البيانات لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، وتُستخدم لاحقًا لتتبع تحركات الأشخاص والكشف عن من يتجاوز مدة الإقامة القانونية في منطقة شنغن.
ووفق تصريحات الوزير الإسباني، فإن المشروع كلف نحو 11 مليون يورو، وهو ما يشير إلى استثمار كبير في مجال الرقمنة الحدودية. لكن هذا الاستثمار، بحسب محللين، يخفي بعدًا سياسيًا وأمنيًا يرتبط أساسًا بالسياق الجيوسياسي للعلاقات المغربية الإسبانية، وبمحاولة مدريد فرض سيادتها التقنية على مدينتين محتلتين.
وتُعد مليلية المحتلة واحدة من نقاط الاحتكاك الدائم بين المغرب وإسبانيا، إذ يرفض المغرب الاعتراف بسيادة مدريد على المدينتين، ويرى أن أي إجراء تقني أو إداري يتم دون التنسيق معه يُعد خرقًا لمبدأ حسن الجوار، وتجاوزًا للخطوط الحمراء في ملف حساس.
ويخشى نشطاء في المجتمع المدني المغربي من أن يؤدي هذا النظام إلى مزيد من التضييق على العمال المغاربة الذين يدخلون المدينة يوميًا لأسباب مهنية أو تجارية، خاصة في ظل غياب أي آلية مشتركة لمراقبة الانتهاكات أو ضمان المعاملة الكريمة للمواطنين المغاربة.
ويخضع هذا النظام الجديد لقواعد وكالة “فرونتكس” الأوروبية، التي عززت في السنوات الأخيرة من وجودها على حدود المغرب مع سبتة ومليلية المحتلتين، في إطار ما تعتبره بروكسيل “دفاعًا عن الحدود الخارجية لأوروبا”. ويرى حقوقيون أن هذا النظام سيحوّل بوابة العبور إلى أداة مراقبة وتصفية للمهاجرين غير النظاميين، مع إمكانية إساءة استخدام المعطيات الشخصية.
في السياق ذاته، وتزامنًا مع افتتاح هذا النظام الجديد، نفت الحكومة الإسبانية اتهامات بشأن تساهلها مع سكان جبل طارق الذين يُسمح لهم بالعبور دون ختم جوازاتهم، حيث قالت إن هذه الإجراءات تندرج ضمن وضع “انتقالي” في انتظار اتفاق نهائي مع بريطانيا بعد البريكسيت. غير أن هذه التبريرات تُطرح معها تساؤلات حول ازدواجية المعايير التي تتعامل بها مدريد مع جيرانها، خاصة حين يتعلق الأمر بالمغرب.
ورغم الطابع التقني الذي تحاول إسبانيا إضفاءه على المشروع، فإن مراقبين يرون أن المغرب قد لا يقف مكتوف الأيدي أمام محاولة فرض الأمر الواقع عبر أنظمة رقمية تمس بسيادته، خاصة أن مليلية المحتلة تبقى ملفًا مفتوحًا لم يتم تسويته ضمن منطق الشراكة المتوازنة.







