مازالت تداعيات تفريغ مستشفيات إقليم الحسيمة من الأطر الصحية تتفاعل في الأوساط السياسية والنقابية، بعدما دخل الفريق الاشتراكي بمجلس النواب على خط الأزمة، موجهاً سؤالاً كتابياً إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، بشأن ما وصفه بـ”نزيف خطير” يضرب العرض الصحي بالمنطقة دون أي خطوات ملموسة لتعويض الأطر التي غادرت.
السؤال البرلماني، الذي وقّعه النائب عبد الحق أمغار، يأتي بعد أيام من بيان حاد اللهجة أصدره المكتب الإقليمي للنقابة الوطنية للصحة العمومية بالحسيمة، استنكر فيه ما اعتبره “سياسة تفريغ مستشفيات القرب والمراكز الصحية القروية من الأطر الطبية والتمريضية”، وسط اتهامات للإدارة الإقليمية بسوء التدبير وغياب المقاربة التشاركية في توزيع الموارد البشرية.
النائب البرلماني حذّر في سؤاله من تداعيات انتقال أحد عشر طبيباً من الإقليم دفعة واحدة، دون أن تتم أي عملية تعويض، الأمر الذي خلق فراغاً خطيراً داخل أقسام حيوية في المستشفى الإقليمي محمد السادس، حيث لم يباشر طبيبا جراحة الأطفال والأشعة مهامهما رغم التحاقهما الشكلي، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة الصحية ويضعف قدرة المستشفى على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.
كما أشار إلى مغادرة الطبيب الوحيد المتخصص في أمراض الغدد والطبيبة الأحيائية، مع غياب أي إجراءات بديلة أو خطط لسد هذا النقص، مرجعاً ذلك إلى هشاشة ظروف العمل وافتقار الإقليم لأي تحفيزات مهنية أو مادية من شأنها الحفاظ على الكفاءات أو استقطاب أطقم جديدة. وقد زاد الوضع تأزماً بفشل مباراة توظيف عشرين طبيباً، حيث لم يُسجّل أي التحاق فعلي، ما اعتبره النائب دليلاً واضحاً على تراجع جاذبية الإقليم في نظر الأطر الصحية.
وطالب الفريق الاشتراكي الوزير التهراوي بتوضيحات دقيقة حول أسباب هذا النزيف غير المسبوق، وسأله عن التدابير المستعجلة التي تعتزم الوزارة اتخاذها من أجل وقف هذا النزوح المهني، وضمان استقرار الأطر الطبية وتحفيزها على البقاء والعمل في الإقليم. كما تساءل عن مدى وجود رؤية شاملة لدى الوزارة لتحقيق عدالة مجالية فعلية في توزيع الموارد البشرية، بما يضمن المساواة في الولوج إلى العلاج، ويصون الحق الدستوري للمواطنين في خدمة صحية لائقة.
وتؤكد المصادر أن هذا التصعيد البرلماني والنقابي، يعكس عمق الأزمة الصحية التي يعيشها إقليم الحسيمة، ويضع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أمام امتحان حقيقي لاستعادة الثقة وضمان الحد الأدنى من العدالة الصحية في مناطق المغرب العميق.
وكانت تنظيمات نقابية في المدينة قد دقت ناقوس الخطر في مناسبات سابقة، محذرة من تدهور الوضع الصحي بالحسيمة نتيجة السياسات المركزية التي تغض الطرف عن خصوصية الإقليم الجغرافية والاجتماعية. كما سبق للنقابات أن خاضت أشكالاً احتجاجية متفرقة، وطالبت بضرورة توفير بيئة مهنية جاذبة للأطر الطبية وتوزيع عادل للموارد البشرية، دون أن تلقى هذه المطالب أي تجاوب فعلي من الوزارة، ما ساهم في تراكم الأزمات داخل المؤسسات الصحية وعمّق شعور التهميش لدى ساكنة الإقليم.







