عبرت فعاليات حقوقية ومدنية عن قلقها العميق إزاء ما وصفته بالتراجع الخطير في مسار مكافحة الفساد، وذلك عقب مصادقة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، بالأغلبية، على مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، والذي يتضمن مقتضيات اعتُبرت مقيدة لدور المجتمع المدني، وعلى رأسها المادة الثالثة التي تحرم الجمعيات من الحق في التبليغ عن جرائم الفساد وتقديم الشكاوى المتعلقة بالمال العام.
ورافق التصويت على المشروع، الذي تم تمريره بعد نقاش امتد لأزيد من 12 ساعة، رفضٌ قاطع من وزير العدل عبد اللطيف وهبي لكل التعديلات الجوهرية المقترحة حول المادتين الثالثة والسابعة، مكتفيًا برد مقتضب على مطالب الفرق البرلمانية: “عدم القبول”. هذا الإصرار على تمرير الصيغة الحكومية دون انفتاح على الملاحظات الواسعة التي تقدمت بها المكونات السياسية والحقوقية، عزز المخاوف من وجود نية لتقليص أدوار المجتمع المدني وتقويض جهوده في مراقبة تدبير المال العام.
وسجلت صمادر حقوقية أن المشروع، في صيغته المصادق عليها، ينسف إحدى أهم آليات الرقابة المجتمعية التي كرّسها العمل الحقوقي لعقود، ويضرب عرض الحائط الفصل 12 من الدستور، الذي ينص على إشراك جمعيات المجتمع المدني في إعداد وتقييم السياسات العمومية، وكذا الفصل 27 الذي يكرّس الحق في الحصول على المعلومة. كما رأى هؤلاء أن حصر إمكانية تحريك ملفات الفساد في يد النيابة العامة فقط، دون إشراك الفاعلين المدنيين، يفرغ المسار القضائي من بعده التشاركي، ويفتح الباب أمام الإفلات من العقاب.
وتحول هذا المسار التشريعي إلى نقطة توتر جديدة بين الحكومة والمجتمع المدني، خاصة وأن جمعيات عدة كانت قد دافعت عن أحقية الفاعلين الحقوقيين في التبليغ عن الفساد، استنادًا إلى تجارب ميدانية كشفت ملفات كبرى كانت لتظل طي الكتمان لولا تدخل هذه الجمعيات. غير أن النص الجديد، بحسب معارضيه، يُفهم منه سعي لإغلاق هذا الباب بشكل نهائي، تحت مبررات قانونية لم تقنع قطاعات واسعة من الرأي العام.
وفي هذا السياق، عبّرت الأمانة العامة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد عن رفضها لما اعتبرته “مقاربة إقصائية” نهجتها الحكومة خلال تمرير المشروع، مشددة على أن تغييب الجمعيات عن هذا الدور الرقابي يمس جوهر الشفافية ويقوّض مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما دعت إلى سحب المادة الثالثة من المشروع وإعادة فتح النقاش حولها بمقاربة تشاركية، محذرة من خطورة الاستمرار في هذا التوجه الذي من شأنه إضعاف الثقة في المؤسسات وتقويض الجهود الوطنية والدولية في مجال محاربة الفساد.







