لم يكن أحد يتوقع أن نصف ورقة نقدية من فئة 20 درهمًا، مقسومة بين طرفين، ستكون “الدليل الذهبي” الذي أسقط شبكة دولية لتهريب الحشيش عبر نفق سري يربط سبتة بالمغرب. العملية التي أُطلق عليها اسم “هَادِس – Hades” قادتها وحدات من الحرس المدني الإسباني بالتعاون مع أجهزة استخبارات، حيث كشفت التحقيقات عن تورط شخصيات بارزة في المدينة، من بينها نائب برلماني وموظفون رسميون، إضافة إلى أعوان جمركيين مغاربة يُشتبه في تلقيهم رشاوى لتسهيل مرور شحنات المخدرات.
الورقة النقدية كانت بمثابة “رمز سري” تم استخدامه في اختبار للولاء والفساد بين عناصر الشبكة وعناصر يُعتقد انتماؤهم إلى قوات أمنية. النصْف الأول من الورقة احتفظ به عميل سري، فيما أوصلت النصف الآخر يد فاسدة إلى داخل سيارة مفخخة بالمخدرات… وهناك بدأ خيط الكشف الكامل للنفق السري الذي ظلت الشبكة تستخدمه لشهور.
كانت ورقة نقدية مقطعة إلى نصفين، وكان لا بد أن يعاد جمع جزئيها. وقد حدث ذلك بالفعل. كان هذا أحد الأدلة التي استخدمتها إدارة الشؤون الداخلية في الحرس المدني لتثبت أن منظمة إجرامية متخصصة في تهريب المخدرات مقرها سبتة لم تكن تمزح عندما زعمت أنها تملك عناصر من الحرس المدني على قوائم الدفع.
كان هناك مراقبة، وتسجيلات، ومحادثات التقطها عملاء سريون، لكن كان من الضروري إجراء “اختبار أمني” للتأكد من مدى التواطؤ بين عناصر من الحرس المدني وهذه الشبكة المتورطة في تهريب كميات كبيرة من الحشيش من المغرب عبر سبتة إلى إسبانيا.
تم هذا “الاختبار” في ديسمبر 2024، وتمكن أحد العملاء السريين الذين زرعتهم إدارة الشؤون الداخلية من تأكيده.
وكان كل هذا قبل اكتشاف النفق السري داخل مستودع بمنطقة “تاراخال”، وهو نفق تم تشييده بعد عام 2022 وكان نشطًا بالكامل لنقل الحشيش حتى وقت قريب من تنفيذ العملية الأمنية. وعند مداهمة الموقع، وُجدت بعض الملابس المبللة وأكياس كانت تستخدم في تعبئة المخدرات.
دور العملاء السريين
نفذّت إدارة الشؤون الداخلية عملية “هادس” بالتعاون مع وحدة العمليات المركزية ووحدة تحليل الاستخبارات الجنائية. وأصبح من الممكن الآن الكشف عن تفاصيلها بعد رفع السرية عن التحقيق.
كان لثلاثة عملاء سريين دور محوري في تحقيق تقدم كبير في العملية، وقد أبلغوا قاضية التحقيق بالمحكمة الوطنية الإسبانية بذلك.
تضم الشبكة متهمين بارزين، من بينهم نائب في البرلمان المحلي وموظف في السجون يُدعى محمد علي دُواس، إضافة إلى اثنين من أقاربه. وتزعم الشبكة أنها كانت تحصل على دعم من عناصر في الحرس المدني العاملين في الميناء لتسهيل عمليات تهريب المخدرات، حسب ما كشفت الوثائق التي حصلت عليها صحيفة “الفارو”.
تعاون مزدوج
كانت لدى الشبكة بنية تحتية في المغرب لتمرير الحشيش إلى سبتة. كما كانت تمتلك مستودعات لتخزين الحشيش في سبتة، وأشخاصًا مختصين في الشحن والتفريغ، ومركبات للنقل.
علاوة على ذلك، كان لديها صلات بعناصر من الحرس المدني المكلفين بفحص المركبات، وحتى عناصر من وحدة التحليل والتحقيق الجمركي والحدودي (UDAIFF). وكانت الشبكة تتفاخر بأنها قادرة على تمرير الشحنات عبر نقاط التفتيش دون أي مشكلة.
وكانت تستعد لإرسال شحنة جديدة من الحشيش تزن قرابة طنين إلى مستودع في بلدة “فيّانويفا ديل ترابوكو” بمقاطعة مالقة. وكانت بحاجة فقط إلى شركة نقل بالشاحنات لإرسال الشحنة بطريقة تخفي المخدرات.
شاحنات ذات أرضيات مزدوجة..
تابعتهم إدارة الشؤون الداخلية عبر التنصت والمراقبة، ولكن كان الدور الأهم للعملاء السريين الذين انخرطوا في شبكة التهريب دون إثارة الشبهات، وقدّموا أنفسهم على أنهم قادرون على إدارة طرق التهريب عبر شاحنات بأرضيات مزدوجة.
كان المتهمون يقولون إن بإمكانهم نقل 1000 كيلوغرام من الحشيش من المغرب إلى سبتة، وتخزينها مؤقتًا في “الحضانة” قبل نقلها إلى إسبانيا.
كانوا يحتاجون فقط إلى شاحنة بأرضية مزدوجة يتم إحضارها من الخارج لتقليل عدد المتورطين المحليين، بهدف تقليل احتمالات التسريب.
اختبار الولاء.. بورقة نقدية ممزقة
لإثبات ولاء عناصر الحرس المدني المتعاونين مع الشبكة، تقرّر إجراء “اختبار أمني”. طلب العملاء السريون دليلاً على التعاون الفعلي، وكان الحل باستخدام ورقة نقدية مقطعة.
كان المقترح استخدام ورقة فئة 5 يورو، لكنهم استخدموا في النهاية ورقة من فئة 20 درهمًا مغربيًا تم تقسيمها إلى نصفين: أحد النصفين بقي مع العميل السري، والآخر أُعطي للحرس المدني المتورط، ثم أعيد لاحقًا إلى العميل نفسه.
كان هذا بمثابة “رمز” أو علامة مؤكدة على التعاون. وقد نجحت الخطة، وتبين أن النصفين يتطابقان بدقة.
عملية تسليم “الرمز” في نقطة التفتيش
في نقطة التفتيش بالميناء، أوقف أحد عناصر الحرس المدني – الذي تم توقيفه لاحقًا – العميل السري، وطلب منه الخروج من السيارة وقام بفحصها. ثم أدخل يده في جيبه، ووضع شيئًا في مقصورة ناقل الحركة.
لاحقًا، عثر على نصف ورقة نقدية فئة 20 درهمًا في كيس بلاستيكي، وهو النصف الآخر من الورقة التي كانت بحوزة العميل السري.
وبذلك، تأكدت العلاقة الفعلية بين أفراد من الحرس المدني والشبكة الإجرامية.
كم كلّف هذا “الاختبار”؟ 10,000 يورو.. والصفقات الكبرى بـ 120,000
كلّف تنفيذ “الاختبار الأمني” 10,000 يورو، تم تقاسمها بين النائب محمد علي دُواس وشقيقه، حسب ما أورد المحققون.
أما الصفقات اللاحقة، فقد طلب الحرس المدني مقابل كل عملية تهريب مبلغ 120,000 يورو، يتم تقاسمه بالتساوي بين كل المشاركين بغض النظر عن دورهم أو ما إذا كانوا في الخدمة يوم العملية أم لا.
وقد انهار كل شيء في نهاية يناير 2025، عندما بدأت الاعتقالات وأُسدل الستار عن واحدة من أكثر شبكات تهريب المخدرات تعقيدًا في سبتة.
عن “الفارو” بتصرف







