لن نعود إلى الفضائح التي راكمها الحزب، وعلى رأسها فضيحة مكتب الدراسات التي تورّط فيها نجل لشكر، والوزيعة التي تمت في هيئة ضبط الكهرباء ووزيعة التعيينات بمجلس النواب وغيرها… لكن سنتحدث عن “عامرة فخاوية” التي قام بها الفريق الاشتراكي في الوقت الميت من مباراة ملتمس الرقابة، ليسجل هدفًا في مرمى المعارضة لصالح الحكومة، وتحديدًا لصالح رئيسها عزيز أخنوش.
الهدف المشبوه، والانسحاب الذي فشلت جميع التبريرات في ستر عورته، يجعلنا نطرح من جديد سؤالًا عمّا يُراد بهذا الحزب الذي طالما حظي باحترام المغاربة، قبل أن يتحول إلى ضيعة عائلية للكاتب الأول وحوارييه، وعن سر سكوت وصمت آخر الرجال المحترمين داخل الحزب إزاء ما يجري.
هنا لا بأس أن نجري مقارنة بين الاتحاد على عهد الراحل عبد الرحمان اليوسفي، الذي عاد من حكم الإعدام لتحمل مسؤولية حكومة التناوب، وبين السي لشكر الذي حول الحزب إلى متسول يطرق باب الحكومات هربًا من معارضة صنعت مجده.
اليوسفي، الذي حظي باحترام أعدائه قبل أصدقائه، كان شاهد عصر على الكثير من الأحداث الفاصلة، والقرارات التي ساهم في صنعها انطلاقًا من موقعه كوزير أول أو ككاتب أول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
يشهد التاريخ للرجل أنه قلب الطاولة أكثر من مرة على من كانوا يتلاعبون بالمشهد السياسي وبالسياسيين مثل الدمى، وأنه وضع السياسة وراء ظهره ذات مرة، رافضًا الانخراط في اللعبة بشروطها القذرة، قبل أن يقرر مواصلة النضال من أجل تحقيق إصلاح جعله يخوض في حقول ألغام كثيرة.
التاريخ له ذاكرة قوية، وكما احتفظ لليوسفي بمساره النضالي الصادق وشغفه بحب هذا الوطن، وسعيه لوضعه على السكة الصحيحة، سيحتفظ أيضًا بسوابق من فرّطوا في هذه التركة، وهرولوا لكسب المنافع والامتيازات التي جعلت الرجل يعاني في آخر أيامه من المرض، ومن مرارة هدم الكثير مما كان يسعى إليه، بعد أن تحول العمل السياسي والنقابي إلى سجل تجاري وصفقات تُبرم تحت الطاولة وفوقها.
مرارة نتقاسمها اليوم جميعًا، ونحن نعاين أشباه السياسيين ممن يملؤون المشهد اليوم بالضجيج، وهم يتاجرون بانتظارات المغاربة مهما اختلفت المواقع والعناوين.
هنا نفتح قوسًا لنؤكد أن أقصى ما كان يمكن لملتمس الرقابة أن يحققه هو إزعاج الحكومة، لكن “عامرة فخاوية” التي قام بها الفريق الاشتراكي، وتوقيتها، ومحاولة تلفيق المسؤولية لباقي مكونات المعارضة، جعلت اللعب “مفروشًا”، وكشفت أن السياسة بالمغرب ماتت دون أن تجد من يدفنها.
المشكل الكبير لحزب الوردة يكمن في وجود أزمة عميقة يرفض الكاتب الأول الاعتراف بها، لأن تجاوزها يمر بالضرورة عبر رحيله.
ولهذا السبب تحديدًا، يصبح رأس كل من يمارس المعارضة والنقد داخل الحزب مطلوبًا، وسيف التأديب وتجميد العضوية، أو الطرد، مشهرًا في وجهه من خلال عبارات وتهم جاهزة.
فالحزب عاش وعلى امتداد سنوات صراعًا فشلت جميع النوايا الحسنة في رأب صدعه، ليتسع يومًا بعد يوم بسبب النزعة السلطوية التي أصبح الحزب يُدار بها، والانفراد باتخاذ القرارات، وعدم وضوح الرؤية، ورفض تقبل الاختلاف.
النتيجة أن الحزب الذي كان يهابه المخزن، تآكلت شعبيته منذ حكومة التناوب، قبل أن يفرّط فيما تبقى منها بعد غرقه في الصراعات الداخلية ليتحول لرهينة في يد “كتيبة” من الانتهازيين.
لقد سبق للسي لشكر أن قال إن الحزب مستقر، وإنه يعيش دينامية وإشعاعًا كبيرًا، وإن الأزمة لا توجد إلا في “رؤوس من اعتادوا السخرة”، عقب طرد تيار الزايدي رحمه الله.
استمرار نفس الخطاب يؤكد بأن أزمة الاتحاد لن يكون علاجها سهلًا أو قريبًا، ما دامت أول خطوة لحل المشكل هي الاعتراف بوجوده، عوض الترويج لصورة تزيّف الواقع، وخطاب ينكر الطرف الآخر..
واقع استشعره عدد من الاتحاديين الذين فضّلوا الانسحاب منذ وصول إدريس لشكر إلى دفة القيادة، مؤكدين بأن نهجه السلطوي في تدبير شؤون الحزب عمّق جراح حزب الوردة، الذي اختنقت فيه النخب، وأصبح عقيما وعاجزًا عن إنتاج زعامات حقيقية.







